للدكتور عبد الوهاب عزام
بين مصر والبلاد العربية كل ما يؤلف بين الأقوام من وشائج القربى والتاريخ، وكل ما يُحكم القرابة من عقائد وعواطف وآلام وآمال، وكل ما يؤكد الأخوة من حقائق ومنافع. والكلام في هذا تبيين ما لا يعوزه البيان.
يذهب المصري إلى أحد الأقطار العربية فكأنما برح بقعة في مصر إلى أخرى؛ يرى وجوهًا يعرفها ولا تنكره، ويسمع من أحاديث الماضي والحاضر ما يسمعه في بلاده، ويحدَّث عن الهموم والمطامح التي تنطوي عليها نفسه ويخفق بها قلبه. حيثما توجه وجد أهلًا بأهل وأخوانًا بإخوان، وأبصر من ذكَر التاريخ، ومشاهد الحاضر، وخطط المستقبل، ما يوحي إليه أنه في وطنه وبين قومه. وكأنه لا يذهب إلى هذه البلاد إلا ليرى بعينيه ما حدثه به التاريخ وأحكمته في نفسه النشأة والتعلم.
ذهبت مرات إلى فلسطين والشام والعراق، فكان يخيّل إلي أينما سرت لا أخطو إلا على صفحات من التاريخ المجيد، ولا أرفع بصري إلا إلى عنوان من عناوينه في صورة مسجد، أو مدرسة، أو قبة حنت على عظيم من أسلافنا أبطال الإسلام والعربية. وطوفت في العراق مدنه وقراه، وحضره وباديته؛ فكانت بغداد عندي القاهرة، بل أجل ذكرًا؛ وكانت الكوفة والبصرة والموصل أعظم أثرًا في نفسي من طنطا والمنصورة وأسيوط؛ وكانت مضارب شمر وبني تميم أذهب بي في التاريخ من مضارب القبائل المصرية. وأما دمشق الجميلة الجليلة فما دخلتها على أحداث التاريخ ورفعتني مواكبه فسارعت إلى الجامع الأموي أنشد قول شوقي:
هذا الأديم كتاب لا كفاء له ... رثّ الصحائف باق منه عنوان
ولست بدعًا في هذا فما أحسب مصريًا ذهب إلى هذه البلاد إلا شعر بما أشعر به
وليس الأمر بيننا تشابك أقوام واتصال أوطان فحسب ولكنه الحب المؤكد، والود الصريح، ينطق على ألسنة القوم، ويتجلى في أساريرهم، ويبين في أعمالهم، ويشهد به اهتمام القوم بكل صغيرة وكبيرة في مصر، وتحدثهم عن علمائها وأدبائها وأحزابها وقادتها حديث المحب العارف الخبير، وحرصهم على قراءة ما تخرجه مصر من كتب ومجلات وجرائد.