شيخ الأزهر وقت مقدم النابلسي
ذكرت ضمن مقالي المنشور بالرسالة (عدد 208) عن رحلة الشيخ عبد الغني النابلسي في مصر في أواخر القرن السابع عشر واقعة وردت على لسان الرحالة أكثر من مرة، وهي أن شيخ الأزهر وقت مقدمه إلى القاهرة في أوائل سنة 1105هـ (1693م) كان (الشيخ منصور المنوفي الأزهري الشافعي الضرير) ؛ فعلق الأستاذ عبد المتعال الصعيدي على هذه الواقعة (الرسالة رقم 209) بكلمة أبدى فيها ارتيابه في صحتها، وذكر نقلًا عن الخطط التوفيقية أن شيخ الأزهر وقت مقدم النابلسي لم يكن سوى الشيخ محمد النشرتي المالكي، وأنه تولى مشيخته من سنة 1101هـ إلى سنة 1120هـ.
وقد رجع الأستاذ الصعيدي بنفسه إلى رحلة النابلسي (الحقيقة والمجاز) ، فألفى ما نقلته عنه صحيحًا، وأنه أشار إلى الشيخ منصور المنوفي ووصفه أكثر من مرة بأنه شيخ الأزهر ولكنه مع ذلك يصر على ارتيابه في صحة هذا الوصف.
ولم اكن أقصد حين كتبت مقالي عن رحلة النابلسي أن أحقق من كان شيخ الأزهر في ذلك الحين، فهذه مسألة لم تكن ذات شأن في موضوعي، وإنما قصدت قبل كل شيء أن أستخلص من هذه الرحلة الصورة التي يقدمها لنا الرحالة عن مصر ومجتمعها في ذلك الحين؛ على أني مع كل ما نقله الأستاذ الصعيدي عن المصادر المتأخرة (مثل الجبرتي والخطط التوفيقية) لا زلت أميل إلى الأخذ بقول النابلسي من أن الشيخ منصور الأزهري كان شيخًا للأزهر حسبما يقدمه لنا، أولًا لأن هذا القول هو قول معاصر وشاهد عيان عرف الشيخ وحادثه بنفسه، ولست أعتقد أنه يسبغ عليه هذه الصفة عفوًا، وثانيًا لأن الشيخ النابلسي يقدم إلينا بيانًا صحيحًا عن أكابر الحكام والمشايخ في مصر وقت مقدمه، ومن الصعب أن نعتقد أنه يخطئ في تعرف شيخ الأزهر وهو من الشخصيات البارزة التي يهمه أن يتصل بها أما كون الشيخ النابلسي يسبغ هذه الصفة على شيخ آخر وكون المصادر المتأخرة تذكر أن شيخ الأزهر في ذلك الحين هو الشيخ النشرتي فقد يمكن تفسيره بأن الشيخ المنوفي لم يمكث في المشيخة سوى اشهر وربما أسابيع قلائل، وعلى ذلك فقد أغفل المتأخرون ذكره في ثبت مشايخ الأزهر.