للدكتور محمد البهي قرقر
بتطور العلم الطبيعي ومراعاة الحقائق الراهنة والدنو من الواقع تغير مقياس الحكم على النظريات العلمية الفلسفية. فبعد أن كان أساس الحكم عليها تعمق صاحب النظرية في الفكر وتشعب تفكيره في فروض متعددة وخيالات مظنونة، أصبح إمكان استخدامها أو عدم إمكانه في حياة الإنسان العملية ميزان الصحة أو الخطأ في الحكم على نظرية من النظريات الفلسفية. ففلسفة العصر الحديث توجه عنايتها إلى الواقع وإلى الناحية العملية والسلوك النفسي للفرد والجماعة أكثر من النظر فيما وراء الطبيعة والبحث عن معنى النفس وهل هي جوهر أو عرض، أو غير ذلك من الأسئلة التي تحوم حول ماهية النفس وكيفية تركيب الوجود على العموم.
وأسلوب الحكم ونوع النظام الذي تسير عليه أمة من الأمم خاضع لهذه القاعدة، لأنه لا يخرج عن أن يكون عملًا عقليًا له صدى نفسي عملي أيضًا في تلك الأمة. فهو من أهم موضوعات الفلسفة الواقعية الحديثة؛ يلقى استحسانًا في كل مكان إذا برهن على يد قائد سياسي إمكان استخدامه والانتفاع به في الحياة العملية للشعب، ولكن ربما يكون طالع نحسه في سوء استخدامه لا في ذاته نفسه.
فالحياة العملية هي في الواقع محك أية نظرية فلسفية؛ فان لم تتفق النظرية معها أو لم تجد نفعًا لها فهي إما خيال مفروض أو لم يئن الأوان لها بعد ولم يدن وقت استخدامها، لا لأنها لم تنضج - فقد تكون في ذاتها ناضجة - ولكن لأن الحياة العملية للشعب ربما لم تتطور نسبيًا بما يدانيها.
صلاحية نظام أي حكم أو عدم صلاحيته مرتبط بحال الأمة التي ينفذ فيها. وكونه عاملًا من عوامل رقي الشعب يتوقف إلى حد كبير على موقف الشعب العملي نفسه منه ومن مبادئه، وعلى تأثره به.
وكل أنظمة الحكم في العصر الحديث تدعي أنها تقصد إلى تحقيق فضيلة خلقية، يكون من ورائها رفاهية الشعب ورقيه، وشعور كل فرد بمعنى السعادة.