للأستاذ زكي طليمات
مفتش التمثيل بوزارة المعارف
(كتبنا في العدد الماضي نقدًا(لمفرق الطريق) وهي مسرحية تنزع نزعة رمزية في مبناها ومعناها كتبها الأستاذ بشر فارس فجاءت تحفه فنية رفيعة، ومقال اليوم بحث في الرمزية على القدر الذي لا تضيق به صفحات الرسالة)
زكي
الرمزية إحدى الاتجاهات النفسية في الإفصاح والتبيين، فهي وسيلة من وسائل التعبير عن خلجات النفس تتجاوز الرمز بشيء إلى شئ آخر، إلى إظهار الغامض والمبهم والتائه في مغلفات الروح، وتسجيل أصداء العقل الباطن
الرمزية عريقة في الإنسان
ليس الرمز في بالشيء الجديد في نتاج الشعر الإنساني. ولو رجعنا إلى الوراء نتأثر مصدر الرمز لوجدناه بعيدًا في أغوار الشعور الإنساني منذُ القدم؛ فقد سجل الإنسان الغائر في أجواف الماضي بالنقش على الحجر والحفر على جدران المغاور، خلجات نفسي ونجى التائه فيها، بعد أن أعياه الفكر في الكشف عنها ومعرفة بواعثها، فجاءت رموزًا تومئ ولا تفصح الإفصاح كله عن أصداء النفس ولوامعها. بل من الرمز انبثقت العقائد لدى الزنوج. وما سائر طرائق الوثنية إلا رموز متتابعة لحيرة النفس أمام عجزها عن تفهم المظاهر الطبيعية الغامضة وقصورها عن أدراك أسرار القوى الخفية كالقدر والحياة والموت والبعث
فلما كد الذهن مستنبطًا أوضاعًا للحياة مصطنعًا دعائم المدنية، وتقدم شأن العلم فحسر اللثام عن حقائق لم تتح معرفتها للأولين ضعفت النزعة إلى الرمز بعض الشيء، ولازمها الضعف منزلًا بها الشحوب والهزال كلما دق الفكر في وضع الصيغ واستنباط القيم، وكلما كشف العلم عن حقول جديدة خفية من مظاهر الكون. وسرعان ما شغل الإنسان بالملموس من الأشياء عن التفكير وراء اللمس والحس، وصارت خلجات النفس تصدر مصنوعة في