فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 22687 من 65521

للأستاذ علي الطنطاوي

8 -سائل

في ميدان (المرجة) أكبر ميادين دمشق وأهمها، وفي محطة (الترام) أظهر بقعة في ذلك الميدان وأحفلها على ضيقها بالناس، سائل طويل بائن الطول، أعمى قبيح العمى، يقوم حيال عمود الكهرباء وكأنما هو لطوله عمود ثانٍ، لا يريم مكانه ولا يتزحزح عنه، ولا يفارقه لحظة من ليل أو نهار، فهو أبدًا يزحم الناس بمنكبه الضخم العريض، وثوبه الدنس القذر، ويؤذيهم بصوته الأجش الخشن ونغمته القبيحة المملة، وكلماته التي لا تتبدل ولا تتغير: (من مال الله يا أهل الخير، والله جوعان! الله لا يجوعكم والله كاس العمى صعب. . .) لا يكف لسانه عن ترديدها، كما أن لسان صبيه الذي يحمله دائمًا لا يكف عن البكاء والعويل. .

وكنت أمر بالميدان نهارًا، وآتيه نصف الليل، وأجئ تارة عند طلوع الشمس، فأجد ذلك السائل قائمًا في الحالات كلها بجانب العمود، وكفه مبسوطة كأنها طبق. . . ولسانه ولسان صبيه عاكفان على السؤال والبكاء، كأنما هما أسطوانة تدور دائمًا وأبدًا لا كلل ولا ملال. . . فكنت أتألم منه حينًا وأنقم من الشرطة أنها لا تباليه ولا تحفل مكانه، وأشفق عليه حينًا فأعطيه من بعض ما أجد حتى رآني رفيقي فلان، فقال لي:

-ماذا؟ أتعطي مثل هذا؟

-قلت: ولم لا أعطيه وهو أعمى مسكين، يسأل الليل والنهار لا يفتر؟ فلو كان سؤاله تسبيحًا لكان من الملائكة. . .

ويقسم أبدًا أنه جائع، وولده على كتفه يبكي من الجوع. . .

أفأضنَّ عليه بقرش واحد يقيم صلبه؟

فضحك رفيقي وقال:

-لا هو بالجائع، ولا الولد ولده، وإنه لأغنى مني ومنك. .

-قلت: هذا لا يكون

-قال: فتعال معي. . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت