مهداه إلى الأستاذ توفيق الحكيم
الجائزة
للأستاذ محمد سعيد العريان
(القرن الثالث الميلادي، في عصر الملك(دقيانوس) الوثني الطاغية، خرج من مدينة (طرسوس) في بلاد الروم، بضعة نفر من المسيحيين المؤمنين، فرارًا إلى الله بدينهم من بطش الملك، ثم لم يظهروا ولم يعلم عنهم شيء. . . وكان منهم وزير الملك. . .!)
(أهل الكهف)
.. . ومضت ثلاثمائة سنة، ومات دقيانوس، وقامت دولة على أنقاض دولة، ورفرف السلام على المدينة التي تخضب ثراها بدماء الشهداء في عصر الطاغية دقيانوس، وعاد الناس أحرارًا في دينهم وفي شعائرهم؛ وعاش المسيحي إلى جانب اليهودي إلى جانب الوثني في طرسوس، إخوانًا متحابين، لا يسأل أحدٌ أحدًا عن دينه ولا يجادله في مذهبه؛ وانصرف كل لشأنه وحاجته.
وجلس (صهيون بن يهوذا) إلى مكتبه ذات صباح بجانب النافذة من غرفته الواسعة المشرفة على الطريق وبين جنبيه همٌّ يعالجه. . .
لقد كان صهيون كاهن اليهودية الأعظم في طرسوس، ولكن شئون طائفته لم تكن تشغله يومًا عن شئون نفسه؛ وكان مؤمنًا مسموعًا بالتقوى والفضيلة، عالمًا مشهورًا بالاطلاع وسعة المعرفة، مؤرخًا يروي عن السلف ويحفظ أيام الأمم ويقص ماضي التاريخ؛ ولكنه كان إلى كل أولئك يهوديًا من بني إسرائيل، يحب المال ويحسن تثميره وتربيته. . . ومن ذلك كان أكثر همه حين يخلو إلى نفسه!
.. . وطال به الوقت وهو جالس إلى مكتبه يحسب ويعدّ، ويقبض أصابعه ويبسطها في حسبة لا تنتهي، ويحصي ما معه من الدراهم وما سوف يأتيه؛ ثم ابتسم راضيًا، ونهض عن كرسيه لحظة، ثم عاد بكتاب مخطوط فبسطه تحت عينيه وجلس يقرأ. . .
ذلك كتاب قديم لم يقرأه أحد قبل صهيون إلا كاتبه نفسه؛ وقد عثر به منذ أيام عند يهوديّ