أحمد عرابي
أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح وأن يحدد له
مكانه بين قواد حركتنا القومية؟
للأستاذ محمود الخفيف
أما عن ذهاب الجيش على تلك الصورة إلى عابدين فالمسئول عنه الخديو ووزراؤه، فلقد كانوا يعلمون ما في صفوف الجيش من تذمر وهياج ثم كانوا يعلمون مع ذلك مبلغ مقدرتهم على المقاومة فبدل أن يطفئوا النار زادوها بأساليبهم اشتعالًا، هذا فضلًا عن ذلك الموقف المزدوج الذي وقفه الخديو تجاه الضباط وتجاه الوزارة ولقد كان القصر أمام الجيش خلوًا من أية قوة. فروعيت حرمته أحسن مراعاة؛ وروعي كذلك مقام الخديو، فلم يخرج أمامه ذلك الجندي الثائر عن طوره، بل تمالك نفسه فترجل وأدى التحية لمولاه. ثم ذهب فأعرب له عن ولائه، وشكره حينما أجيب إلى ما طلب باسم الأمة. . . ألا إنا لتعجب بذلك ونفخر به إذ نكتبه، وما نجد من الأدلة التي نسوقها على رجولة عرابي وشهامته وبعده عما رميه به خصومه أقوى من هذا الذي نشير إليه.
فإذا أضفت إلى ذلك ما كان يدبر في خبث من الدسائس في ذلك الموقف الرهيب، وذكرت كيف أحبطها عرابي بمزيج من البسالة والصبر يدعو إلى الإعجاب، ازددت لا ريب إكبارًا لموقفه في ذلك اليوم. ولقد كانت أية كلمة نابية أو أية إشارة يساء فهمها كفيلة بأن تسيل الدماء في تلك الساحة. قال عرابي: (لو حاول الخديو قتلي لأطلقت النار عليه) .
ولن يفوتنا أن نذكر أن عرابيًا قبل ذلك كله قد اتصل بقناصل الدولة، وأفهمهم قبل أن يتحرك نحو عابدين أنه يقصد بعمله هذا مظاهرة سليمة، وأكد لهم بالغ حرصه على الأمن.
كما أنه كتب إلى الخديو قبل أن يذهب. فكان بذلك كله حكيمًا موفقًا لا يدع مسلكه غميزة، أو يهيئ سببًا لملامة. . .
نجحت حركة عرابي إذًا أتم نجاح وأجمله وتهيأت البلاد لأن تستقبل عهدًا يسود فيه الإصلاح والنظام؛ فلقد كان قبول الخديو مطالب عرابي التي أشرنا إليها ينطوي على معنى