للأستاذ عباس محمود العقاد
لعلك تقصد مطاعم الفقراء
كلا. بل مطاعم الأغنياء اقصد لأنهم، أو لان أكثرهم، في حاجة إلى مطاعم يتعلمون فيها كيف يأكلون، كاحتياج الفقراء إلى مطاعم يجدون فيها ما يأكلون
فمن البدائية في رأيي إن الفقير يجب إن يأكل، وأن أحدًا من الناس في هذه الدنيا لا يعجز عن عمل يساوي بضعة أرغفة وقليلًا من الأدم في كل نهار. فأن عجز فذاك وزر الأمة بحذافيرها وليس بوزره الذي يجزي عليه بالجوع والموت، وعلى الأمة إذن إن تكفل له قوته بعمل تتولى تدبيره له ولأمثاله، أو بمطاعم تكفيه مؤنة الغذاء في انتظار العمل والصناعة
ذلك شأن الفقير المحروم، فما بال الغني الميسر الأرزاق تدبر له المطاعم ليأكل فيها وعنده المطبخ وعنده الطاهي وعنده المآكل والمشارب؟
في مصر أزمة طعام سفلية وعلوية في وقت واحد: فأما السفلية فتلك أزمة الفقير، وأما العلوية فتلك أزمة الغني الذي يجد الطعام ولكنه لا يجد الغذاء
إذا قيل في مصر: (فلان يعرف يأكل) فذلك على الأرجح الأعم رجل يجهل صناعة الأكل ولا يزال على خطر مما يأكل. لأن تعريف الطعام النافع عنده أنه هو الطعام اللذيذ أو الطعام الذي يثقل على الجوف، ويملأ الأحشاء
وقد يكون الطعام لذيذًا وهو ضار، وثقيلًا على المعدة وهو خفيف الوزن فيما يؤول إلى صحة الجسم وانتظام الأعضاء.
وقد يحسب انه يعوض جسمه مما فقد فإذا هو يضيف إليه خسارة على خسارة، وجهدًا على جهد، ثم كلالًا على كلال، وفتورًا فوق فتور.
سمعت إن (محدثًا) تزوج، ثم سمعت بعد أشهر قليلة أنه أصيب بداء السكر، ثم سمعت حكايته فعلمت انه قد أصيب بالداء من حيث طلب السلامة، وأنه لولا طلبه السلامة من حيث طلبها لكان أقرب إلى العافية وابعد من الداء