فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 27527 من 65521

للأستاذ عباس محمود العقاد

أيام الحوادث الفادحة هي أيام العظات البليغة لمن يحسن استخراجها من حوادثها ثم يحسن التعليل بين مقدماتها وعواقبها والحرب أبلغ العظات

لأنها تمتحن النفوس فتثير فيها الشكوك وتقلقل فيها دعائم الإيمان فهي في حاجة إلى اليقين والاستقرار

ولأنها ترين على القلوب بالغموم وتلعج فيها الأحزان فهي في حاجة إلى الترفيه والتأسية والعزاء

ولأنها تكتظ بالشواهد والمثل وأسباب الخبرة ومجامع العبرة فهي في حاجة إلى من يحسن التعبير والاعتبار

رأيت مثلين من أمثلة العظات العصرية هما اللذان بعثاني إلى كتابة هذا المقال: أحدهما مسيحي والآخر إسرائيلي، وكلاهما من مبتكرات الوعظ (العقل التاريخي) الحديث

جاء المثل الأول في مقال بصحيفة (المانشستر جارديان) الأسبوعية لواعظ يصف تجاربه في الحرب الماضية قال:

كثيرًا ما وعظت في أثناء فترات الغداء بالمصانع فكانوا يلقونني برفق وإكرام

ولكني في بعض الأيام لقيت رجلًا غاضبًا محنقًا وإن كان مؤدبًا في مسلكه يقول لي: ما هذه الجرأة منك على الوعظ باسم إله المحبة والرحمة وهذه الحرب الخبيثة تطحن الناس؟

فقلت له: إنك يا أخانا لقاس على الأقدار. . . فهبك في مكان القدر فماذا عساك كنت صانعًا بالدنيا؟. . . لا أحسبك كنت تخليها من الخطيئة لأنك بهذا تهدم تكوين النفس الإنسانية باعتبارها نفسًا مريدة مكلفة ذات حرية ومشيئة. . . فإن لم تصنع هذا فماذا أنت صانع؟

قال: على أية حال كنت لا أدع إنسانًا يألم في حياته لجريرة غير جريرته وذنب غير ذنبه

فأجبته قائلًا: آه! يالها من حياة مخيفة تلك التي تريدها. فماذا تنوي أن تصنع بالأمهات مثلًا؟ أتريد من الأم إذا ذهبوا بابنها إلى الموت أو ذهبوا بابنتها إلى العار أن تمضي في طريقها ضاحكة راضية وهي تقول: لا يعنيني! فالذنب ذنب غيري؟

(إن الدنيا التي تريدها لتكونن دنيا خلوًا من الآباء والأمهات والأصدقاء والقديسين والأبطال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت