للأستاذ كامل محمود حبيب
أحب أبا مروان من أجل تمره=وأعلم أن الجار بالجار أرفق
وأقسم لولا تمره ما حبيتهُ ... وكان عياض منه أدنى ومشرق
(غيلان النهشلي)
أطرق الرجل ساعة، وأنا بازائه أتفرس فيه، وهو زري الهيئة مضطرب الهندام: قد تخدد لحمه، وذوى عوده، وأدبر شبابه. . . وإن في عينيه عبرات مكفوفة يدفعها اليأس ويحبسها الحياء، وعلى شفتيه آهة عميقة لا تجد لها متنفسًا. . . وتبدت لي خواطره تصطرع في رأسه، وهو يشرب القهوة في نهم، وينفث دخان سيجارته في لذة. . . فأردت أن أجذبه إلي، فقلت: (ما بالك تكتم عني ذات نفسك، وقد خلا بنا المكان؟) قال: (إن في النفس حديثًا طويلًا، ولكني ألفيتك رجلًا غير من صورتُ في خيالي!) . . . ورقت رنات صوته، حتى خيل إلي أن آلام قلبه تعتلج في صدره، فتتحدث هي حديثًا كله أنات، ثم قال: (. . . وأنا لا أستطيع أن أؤمن بأنك أنت صاحب(ذريني) ، ومن بعدها (شيطانه تتفلسف) ، وكيف يتأتى لك أن تكتب ما قرأت وما في دارك إلا الأمر والطاعة، وإلا الهدوء والطمأنينة، وإلا السعادة و. . .)
قلت: (يا سيدي، أن المرأة لا تجلب السعادة، ولكنها أبدًا تنضج الشقاء!)
قال: (كأنك تعني أن نصف العالم خلق شقاء للنصف الأخر)
قلت: (ولم لا؟)
قال: (وبماذا رمتك المرأة فتتهدم عليها بمثل كلامك هذا؟)
قلت: (يا عجبًا! أفلا ترى أن المرأة كالماء الآسن حين تنعكس عليه أشعة الشمس الذهبية، فيبدو جميلًا صافيًا خلابًا، فإذا اغتمرت فيه اغتمرت في النتن والوحل معًا؟)
قال: (وهذا معنى آخر مما يضطرب في نفسك، فهل لك أن تسمع قصة عذابي علك تجد فيها مادة!)
قلت: (هات!)