للأستاذ عبد العزيز البشري
ليس ما يضرب فيه القلم اليوم بحثا قامت في الذهن حدوده، وبانت طرقه، واتضحت معالمه، واستشرقت مقدماته لنتائجه. إن هي إلا خواطر تجول بها ذكرى الهجرة الشريفة. هي خواطر تتوالى على النفس كما توالى مناظر الخيالة (السينما) في جريدة الأخبار مثلا. على أنها قد تجيء بحكم تداعى المعاني، وبحكم أضعف المناسبات، وأدنى الملابسات
وبعد، فليس من شك في أن مما يستدعي العجب، بل مما يكاد يستهلك كل العجب، شأن أولئك العرب إلى آخر جاهليتهم، وما صاروا إليه بعد إسلامهم بيسير من الزمان:
لقد كانوا في جملتهم، قوما أميين جهالًا، لم تفتتح عيونهم على علم، ولم يتذوقوا فنا، اللهم إلا فن الكلام، وهو غير مغن في قيام الأمم إذا أغنى إلا قليلا
لقد كانوا جاهليين حقا لا يرتبطهم بأي لون من ألوان الحضارة أي سبب، ولا تنفذ عقولهم إلى شيء مما وراء تلك البوادي التي يسكنون؛ حتى لو اضطربوا فيما يجاورهم من البلاد التي أخذت بحظ من الحضارة، بحكم التجارة ونحوها، رجعوا إلى قومهم وكأنهم لم يشهدوا شيئًا غريبًا من شأنه أن يلفت أنظارهم، ويحرك أفكارهم، كأنما غلقت الأذهان وغلقت القلوب، و (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) صدق الله العظيم!
على أنهم لم يسلخوا في الإسلام إلا صدرًا يسيرًا من الزمن حتى حذقوا علوم من سبقوهم إلى الحضارة وفنونهم، بل سرعان ما أنشئوا هم علومًا واستحدثوا فنونًا أوفوا بها على حضارة الزمان!
ولا ينبغي، في هذا المقام، أن يذهب عن المفكر أن ما نقل العرب من علوم غيرهم وفنونهم قد طبعوه أولًا بطابع الفكر العربي، وسوَّوه حتى مريء في مساغ الذوق العربي أيضًا، وهذا وهذا فوق ما وسعوا في آفاق هذه العلوم والفنون، واستحدثوا فيها من القضايا التي ذهبت بها إلى أبعد الغايات.
وأنت خبير بأنه إنما يبعث على العجب في أمثال هذه الغرائب هو غفلة الذهن عن وصل الأسباب بالمسببات. ولهذا قيل: إذا عرف السبب، بطل العجب. . .
ففي الحق أن العربي على ما كان فيه بحكم البيئة من الجفاء والانصراف عن إرسال الفكر