بين مفتش وموظف
للأستاذ محمود محمد سويلم
حدثني من أثق به أيام مقامي (بمنفلوط) أن مفتشًا تردد على موظف حتى أضجره وضايقه، وكان ضروريًا أن يقصر الموظف أو تقصر يده عن إجابة رغبات رئيسه الذي لا تكاد تنتهي له زيارة حتى تبدأ أخرى، فأحس المفتش بهذا التقصير وكبر عليه وصوره له شيطانه بصورة مثيرة فأضمر الشر لصاحبه؛ وانطبعت دخيلة نفسه على محياه فقرأ الموظف المسكين هذه الآيات الصامتة التي تفصح في غير عبارة عما انطوت عليه نفس رئيسه من ضغينة لا يدري إلا الله مداها، وكأنه في موقفه هذا جهد نفسه على أن يخفي ما ألم بها فيقابل رئيسه بشيء من المداراة والابتسام المتكلف. وكيف يتهيأ ذلك لنفس ساذجة لم تألف هذا التلون ولم تعتد هذا النفاق؟ فلم يفلح في هذه المحاولة وظهر على وجهه من العبوس ما ظهر على وجه رئيسه، فتهاجرا وتدابرا ووجد الشيطان الفرصة سانحة فأغرى كلًا بصاحبه؛ فكتب المفتش والموظف إلى الرياسة جميعًا
فماذا كتبا
قال محدثي: لقد طلب المفتش عزل الموظف لأسباب أبداها
يا الله! ألم يقدر هذا المفتش مآل أسرة تحيا في ظلال عيش آمن إن لم يكن ناعمًا ولا مترفًا، يريد نقلها إلى بؤس الحياة
ألم يقدر وهو المؤمن بالله واليوم الآخر موقفه بين يدي جبار الأرض والسموات موقف الظالم والمظلوم (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ؟ نعم لم يقدر شيئًا من ذلك؟ لماذا؟
أما الموظف فما عسى أن يكتب وهو لا يطمع في انتصاره على رئيسه، ولو كان محقًا، ولا في السلامة من شره وإن قام بأعباء وظيفته على خير حال؟
لكنه برغم ذلك أبى إلا أن يكون جريئًا وإلا أن يقابل الشر بالشر فكتب إلى الجهة نفسها يقول:
(إما أن تزيدوا في مرتبي حتى يكفيني والمفتش جميعًا، وإما أن تزيدوا في مرتب المفتش