مجلس أدباء
طالما رغبت أن أرى هذا المجلس حتى أتيح لي هذا الحظ العظيم فقادني إلى حيث ينعقد أحد الرفاق؛ وكان المجلس لحسن حظي ليلة خففت إليه حافلًا لم يغب عنه كما علمت إلا واحد أو اثنان ممن يشتركون في حلقته
وأنا رجل طالما أحسنت الظن بالأدباء حسن ظني بالكتب فيما سلف وإن كان أكثرهم ليزعمون أني متكبر أعيش في علبة لأني ظللت حتى تلك الليلة لا أعرف أكثر هؤلاء إلا في آثارهم
جلست بين هؤلاء الشباب صامتًا أنقل بصري من وجه إلى وجه، وأتبين الأشخاص من أحاديثهم، وهم قد وضعوا أنفسهم بحكم رسالتهم في مركز وسط بين الملائكة والناس؛ ولم تمض لحظة حتى عرفت من كلامهم أولًا أنهم جميعًا شعراء؛ ثم تبين لي بعد ذلك أن كلا منهم يسمو في فنه على الباقين حتى ما يلحق به أحد وإن كان لا يصرح أحدهم بذلك، وإنما يشير إلى ذلك المعنى في لباقة عجيبة
وأعجبني منهم لعمر الحق أنهم كانوا يديرون بينهم كؤوس الثناء بدل كؤوس الصهباء إن جاز في ذوقهم هذا التعبير. فهذا يثني ما وسعه الثناء على القصيدة الأخيرة لجاره؛ وذلك يمتدح ديوان صاحبه حتى ليجعله من مفاخر العصر ومآثر الجيل، وفلان يستزيد فلانًا من طرفه. . . وهكذا يتبادلون بينهم الثناء حتى لا يتركون معنى من معانيه
ولكنني ما لبثت على الرغم من ذلك أن تبينت في حلقتهم أحزابًا، وساعدني على فهم ذلك ما عرفته من سالف كتاباتهم، فهذا شخص أعرفه من قبل قد جعل لصاب له الزعامة فيما كتبه عنه، وأراه في المجلس يقبل عليه إقبالًا شديدًا فما تبدو منه نكتة إلا انطلق وراءها مقهقهًا مستحسنًا مهما بلغ من تفاهتها، وما يبدي رأيًا إلا انحاز فيه إليه مهما خالف فيه كل قياس وخرج به على كل ذوق. . . وهذا شخص آخر يعلم أن بين فلان وفلان حقدًا وهو يحقد على أحدهما فيما أعرف فلا يزال يمتدح الآخر بكل ألوان المديح، وألمح أنا الامتعاض على وجه المغضوب عليه فأفطن وأبتسم
وأعجب لهذا التناقض الغريب، وهم كانوا قبل ذلك يبدون لي وقد ألف الفن بين قلوبهم