صراع اللغات
للدكتور علي عبد الواحد وافي
مدرس العلوم الاجتماعية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول
يحدث بين اللغات ما يحدث بين أفراد الكائنات الحية وجماعاتها من احتكار وصراع وتنازع على البقاء وسعي وراء الغلب والسيطرة. وتختلف نتائج هذا الصراع باختلاف الأحوال: فتارة ترجح كفة أحد المتنازعين، فيسارع إلى القضاء على الآخر مستخدمًا في ذلك وسائل القسوة والعنف، ويتعقب فلوله فلا يكاد يبقي على أثر من آثاره؛ وتارة ترجح كفة أحدهما كذلك، ولكنه يمهل الآخر، وينتقص بالتدريج من قوته ونفوذه، ويعمل على خضد شوكته شيئًا فشيئًا حتى يتم له النصر؛ وأحيانًا تتكافأ قواهما أو تكاد، فتظل الحرب بينهما سجالًا، ويظل كل منهما في أثنائها محتفظًا بشخصيته ومميزاته.
وينشأ هذا الصراع عن عوامل كثيرة أهمها عاملان: أحدهما أن ينزح إلى البلد عناصر أجنبية تنطق بلغة غير لغة أهله؛ وثانيهما أن يتجاور شعبان مختلفا اللغة، فيتبادلا المنافع، ويتاح لأفرادهما فرص للاحتكاك المادي والثقافي.
وكلا العاملين ينتهي أحيانًا إلى تغلب إحدى اللغتين على الأخرى، وأحيانًا إلى بقائهما معًا جنبًا لجنب.
وسنقتصر في هذا المقال على بيان الحالات التي يؤدي فيها العامل الأول إلى تغلب إحدى اللغتين على الأخرى، وما يمتاز به هذا التغلب من خصائص، وما يتصل به من شئون، مرجئين تكملة البحث إلى مقالات تالية.
قد يحدث على أثر فتح أو استعمار أو حرب أو هجرة. . . أن ينزح إلى البلد عنصر أجنبي ينطق بلغة غير لغة أهله، فيشتبك اللغتان في صراع ينتهي أحيانًا إلى تغلب إحداهما، فتصبح لغة جميع السكان قديمهم وحديثهم، أصيلهم ودخيلهم. ويحدث هذا في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون كلا الشعبين همجيًا قليل الحضارة منحط الثقافة، ويزيد عدد أفراد