يا سيدي. . .
للأستاذ كامل محمود حبيب
(تلقى أحدهم أبيض بضًا، يملخ في الباطل ملخا، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه؛ يقول: هاأنذا فأمروني. قد عرفناك فمقتك الله ومقتك الصالحون) الحسن البصري
أهلًا بك، ياسيدي، وسهلًا!
الآن أشرق ظلام القرية بنور وجهك البهي، فافتح أمامي بابك المغلق وقلبك الموصد، ودعني أجلس إليك ساعة أبثك همًا من همي، وأشكو إليك شجنًا من شجوني؛ فأنا عبدك وخادمك منذ أن كان أبوك وأبي. . .
دعني أجتلي طلعتك الوضاحة علها تزحزح عن صدري بعض ما قدحه
لطالما طلبت إليك أن تسكن إلينا يومًا أو بعض يوم لتنفث فينا الحياة، فرميتني بالنظرة الشزراء والكلمة القاسية، تشعرني خيبة الرجاء وضيعة الأمل.
وتصرمت سنوات، يا سيدي. والآن، جزى الله الشدائد كل خير، فهي أرسلتك إلينا لتسكن القرية وترى. . فأهلًا بك، يا سيدي، وسهلًا.
ماذا، يا سيدي، ماذا؟
ماذا وراء هذه السحابة السوداء التي تظلل وجهك الصبوح؟
وماذا وراء هذا الفتور الذي يفعم جنبات حياتك؟ وماذا وراء هذه النظرة الفاترة الحائرة وهذه الإطراقة الطويلة الصامتة؟
إنك تأخذ وتذر في صمت، وتجادل وتناقش في ملل، وتأمر وتنهي في تكسر، وتعمل وتدع في ضيق؛ فماذا. . . ماذاأصابك يا سيدي؟
أفتضيق نفسك بهذا الفضاء المنفسح وهو مسرح القلب ومراحه، وتنزعج أذنك من خرير ماء الغدير المنساب خلال الوادي وهو النغم الساحر توقعه الطبيعة على قيثارتها الإلهية؛ ويرتد طرفك دون هذا البساط السندسي الجميل في ضجر وهو روح الجنة على الأرض؛ وينغلق صدرك دون هذا الهواء النقي وهو معنى من معاني الشباب الدائم؛ وتتململ وأنت في ثوبك الفضفاض وهو يشعرك بحلاوة الحرية؟