جناية رجل
للأستاذ محمد سعيد العريان
.. . أجابني صاحبي:
نعم، لقد كان ذلك عملًا لا ينبغي، على أنه قد أَوْدَى بشرف امرأة، وهناءة رجل، وضَيْعِة طفل يَتِمَ في حياة أبويه، وصيّرني في عين نفسي وفي عيون الناس إلى ما ترى. . . وما أحاول أن أبرئ نفسي؛ بل إنني لأشعر أحيانًا أن عليَّ وحدي إثم هذه الجناية التي لم أقترفها ولم يكن لي يدٌ فيها!
وصمت صاحبي برهة وهو يحدِّق في وجهي بعينين فيهما حيرة وارتياب؛ ثم استأنف الحديث:
بلى، وأقسم لك يا صاحبي، ولكنني كنتُ رجلًا كما تعرف؛ فلم يكن لي أملٌ في امرأة ولم يكن لامرأة حظٌّ مني؛ وأين تجد المرأة عندي ما يُغريها بي وأين أجد من نفسي؟. . . لقد كنت أعرف نفسي عرفانًا حقًا، ولم يكن يخفى عليّ ما يتحدَّث به الرجال والنساء عني، وما تتحدث به إليّ مِرآتي؛ لقد كنت وما يطيب لي أن أنظر إلى المرآة، كأني حين أنظر إلى صورتي بازائي أرى شخصًا غريبًا عني بغيضًا إليّ لا أطيق أن أراه أو أنظر إلى صورته؛ وحين يتفق لي أن أرى شخصًا في وجهه بعضُ ما أعرف لنفسي من الدمامة، أزوي عنه وجهي، كأنما يذكّرني مرآه بشخص أكره!. . .
أراك تنكر عليّ ما أقول يا صديقي، ولكن ذلك كان هو رأيي في نفسي على حقيقته؛ وقد يكون رأيًا غريبًا، فما أعرف فيما قرأت أو سمعت أن أحدًا كان له في نفسه مثلُ رأيي في نفسي وإن بلغت دمامته الحد الذي يوشك أن يبعده من حقيقته الآدمية!
.. . وكنت مؤمنًا بأن القدر الذي تكتنفني صروفه منذ الطفولة قد هيأني لشيء غير ما يتهيأ له الرجال في عالم المرأة، من الحب والزواج والأبوّة؛ كأنما كانت تلك العلة التي شوّهتْ وجهي صغيرًا، وتلك الحادثة أصابتني بالعرج صبيًا - تحوُّلًا في إنسانيتي، وحجازًا بيني وبين أحلام الطبيعة التي تهمس في الدم وتوسوس في القلب. وشعرت منذ فقدتُ أمي ولم أتجاوز السابعة بعد، أن آخر سبب كان يربطني بالمرأة قد انقطع، فليستْ