إلى الأستاذ الكبير (1. ع)
السلام على سيدي العلامة الأستاذ الكبير الكريم ورحمة الله وبركاته. . . وبعد، فرأى الأستاذ - أدام الله نفع الناس بطول بقائه - في أمر (الإرسال) هو الأعلى؛ ولا ريب في أن إرسال الريح الصرصر والحاصب والصيحة والعذاب - تسليط وعقاب، وكذلك إرسال الكلب والصقر على الصيد (المسكين) عند أبي العلاء والبراهمة والمنصفين من الآدميين. . . غير أن هذا الضعيف لا يرى في الإرسال إلا معناه الظاهر أي ضد الإمساك (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له) ؛ ويرى التوجيه مثل الإرسال (وجه إليه كذا أرسله) ، كما في اللسان (وجهه في حاجته توجيهًا أرسله فتوجه جهة كذا) كما في التاج؛ وترسل النعم (يرسل السماء عليكم مدرارًا) كما ترسل النقم (ويرسل عليها حسابًا) قال الراغب في (المفردات) : (الإرسال يقال في الإنسان وفي الأشياء المحبوبة والمكروهة) ، فتختلف الإرسالات كما يختلف المرسلون والمرسلات. . . والإرسال حقيقة كما روى الأستاذ عن الأساس: (أرسل كلبه وصقره على الصيد) ومجاز كما روى - أيده الله - عن ذلك الكتاب (أرسل الله عليهم العذاب)
والآية الكريمة التي استشهد بها التاج - ناقلًا من اللسان؛ والتسليط قول الزجاج - وأوردها الأستاذ فيما روى من كلامه وهي: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزًا) وقد تشعبت في معنى الإرسال فيها أقوال لغويين ومفسرين - والأستاذ أعلم مني بذلك - والإمام ابن جرير يقول في تفسيره: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تريا محمد أنا أرسلنا الشياطين على أهل الكفر بالله تؤزهم، يقول: تحركهم بالإغواء والإضلال، فتزعجهم إلى معاصي الله وتغريهم بها حتى يواقعوها. أزا: إزعاجًا وإغواء)
ولو لم يوجه الله الشيطان إليهم أو يسلطهم عليهم أو يخل بينهم وبينهم لطاروا إليهم من تلقاء أنفسهم، لأن عملهم في هذا الدنيا - وهذا (قضاء من الله العزيز أراده) - إضلال الكافرين وغير الكافرين وإفساد جميع الأناسين (إلا عباد الله المخلصين)
وأرسل في ختام هذا الكلام إلى سيدي العلامة الأستاذ الكبير الكريم - مد الله في عمره - خير تحياتي