للدكتور زكي مبارك
منذ عامين مات الشاعر محمد الهراوي فغلبني الدمع بقوة وعنف، على قلة ما تدمع العين لفراق الراحلين من المعارف والأصحاب، وإنما كان ذلك لإيماني بأن الهراوي صديق لا تغيره الأيام ولا الليالي، فهو ثروة ضاعت من يدي إلى آخر الزمان
وفي هذه الأيام مات الكاتب عبد القادر حمزة فعرفت من جديد كيف تكون غزارة الدمع حين يموت الصديق، وكان عبد القادر صديقًا لا نظير له ولا مثيل، كان أخُّا نقي القلب، عذب الروح؛ وكان مثالًا نادرًا في حفظ الوداد بالمحضر والمغيب. كان دنيا باسمة من الاخوَّة الروحية. كان كنزًا نزعتْه الأقدار من يدي، فأنا لفراقه مخزون إلى آخر الزمان
لم أفكر مرة واحدة في الانتفاع بجاه عبد القادر حمزة باشا، وكان رجلًا مسموع الكلمة عند من يملكون تصريف الأمور، وإنما زهدت في الانتفاع بجاهه لأصون ما بيني وبينه من الوداد عن شوائب المنافع الدنيوية، وإن كان انتفاع الصديق بجاه الصديق أمرًا لا يغض من أقدار الرجال
كانت صداقة عبد القادر حمزة جوهرًا من أكرم الجواهر. كانت ذخيرة يدّخرها الحر لزمانه، فما يبالي أين تقع الحوادث، ما دام عبد القادر بخير وعافية. وهل أنسى أنى لم أكن أبالي حوادث الأيام لأني كنت أعرف محفوظ في جريدة البلاغ لأرجع إليه حين أشاء؟
هل أنسى أنى أملك نحو عشرين خطابًا دَّبجها بيده صديقُ كريم يعزُّ القلم والبيان؟
هل أنسى أن الصداقة التي جمعت بيني وبينه لم تكن إلا نتيجة لعداوة أثرتها في وجهه بصدق وإخلاص، وكان رحمه الله من أهل الصدق والإخلاص؟
لاحظتُ مرة انه لا يستريح لبعض ما أكتب في جريدة البلاغ وكانت تناصر الوفد المصري وأنا أناصر الحزب الوطني، فكتبت إليه أستعفيه من الاشتراك في تحرير البلاغ، بحجة أنى لا استبيح الانتفاع بخزينة ليس مبدؤها من مبدئي ولا هواها من هواي، فكتب إليّ رحمة الله يقول:
(أكتب ما تشاء، وخزينة البلاغ تحت تصرفك)
فإن راجعتم (البلاغ) لذلك العهد ورأيتم فيه أشياء لا تنسجم مع سياسة (البلاغ) فاعرفوا أنها