القيء. . .
للأستاذ نجيب محفوظ
كان سعادة سعيد باشا كامل يقول كثيرًا لخاصته إن رجلًا مثله ألفت نفسه العمل والنشاط، لأحرى أن تقعده حياة المعاش مقاعد المرضى المنهوكين. وصدقت نبوءته، فما كاد يحال على المعاش حتى سارع إليه ذبول الشيخوخة واعتوره الإعياء والخمول، ولذلك فإنه حين أصيب بالأنفلونزا لم يعمد كعادته إلى قهرها بالعناد والإيحاء الطيب والمثابرة، ولكنه رقد على فراش المرض عشرين يومًا قانعًا من لذيذ المأكل والمشرب بعصير البرتقال وماء الليمون. على أنه في فترة النقه اعتاض عن تصبره لذة لم يكن له عهد بها؛ كان الصيام قد صفى بطنه وطهر قلبه وأسكت نوازع جسده الصارخة، وطرد أشباح نفسه المفزعة، فأضاء عقله بسنا نور بهيج، واستنارت بصيرته بالصفاء والتجلي، وتبدت له الأمور على غير ما كان يرى، تراءت له الدنيا كومة من تراب، وكأنه يعتلي قمة السماء التي تظلها، وانكشفت له الحقيقة بغير قناع، فكأنما انجلت غشاوة الغرور عن ناظريه، فأحس أن بنفسه كنزًا يغنيه عن الدنيا وما فيها، وشعر بالسلام والطمأنينة يتدفقان من ينابيع صدره فذاق سعادة الجنان، وما كان ليفيق منهما لولا أن كرّ به الخيال إلى الوراء يتيه في غياهب الماضي وينبش قبور المنطوي من الزمان وينشر الرمم والعظام من الذكريات. . . كيف اختار أن يدعو الماضي ليتطفل على سعادته الراهنة؟ كيف رضي أن يغفل عن لذة الصفاء ليعاني ضراوة الأفكار؟ في الحق أنه لم يرغب في ذلك مختارًا، ولا راضيًا ولكنه وجد الذكريات تطرق باب قلبه بإلحاح وعناد وعنف فلم يملك إلا أن يفتح لها كارهًا وأن يستقبلها ساخطًا متبرمًا وأن يجترها بتقزز ونفور. ولم تكن المرة الأولى التي تزوره فيها ولكنها لم تكن تبدو له مخيفة ولا محزنة، أما في ساعة الصفو والتجلي فقد آلمته وأحزنته لأنه استقبلها بقلبه الجديد
رجع به الخيال إلى عهد كان سعيد أفندي كامل كاتبًا بالأرشيف في الدرجة الثامنة المخفضة؛ وكان يقيم في منزل قديم بعطفة الجلاد بباب الشعرية، يعاني الأمرين من بساطة حاله وكثرة تبعاته وطموح قلبه وتعالي همته. وكان يقول لنفسه دائمًا إن الله وهبه ذكاء