أنا لا آلف بني قارون بحكم مَرْباي ومَحْياي وطبعي. لا آلفهم لأن فيهم شموخًا على الناس لا يدري أحد ما سببهُ، لا هم آلهة فيرزقوا، ولا هم أناس فيحسنوا؛ إنما هم صِنف من خلق الله إلههم الذهب، ومعابدهم البنوك، ورسالتهم أن يظلموا أنفسهم بالشح، ويظلموا غيرهم بالأثرة.
حبسوا مُشاع الرزق في خزائن من الحديد ومخازن من الاسمنت؛ ثم جعلوا عليها أقفالًا من صنع الشيطان لا تنفتح إلا لتأخذ؛ واستغلوا ما ركب الله في طباع الناس من تقديس المال وتمجيد أهله؛ فجعل لهم نفوذًا في الحكم، ورأيًا في التشريع، وسلطانًا على العامة. وكان من وراء جشعهم وشحهم وأثرتهم وسلطتهم ودالَّتهم أن اختلت موازين الخير، وتكدرت مجاري النعمة، واحتكرت منابت الرزق؛ ووجد الضعيف مجاله الحيوي ضيقًا فاضطرب فيه، وحظه المقسوم مغتصبًا فسكت عنه؛ ومِن هنا نشأت مشكلة الفقر وما نجم عنها خلال القرون من نظم وأحكام وعظات ومقالات وثورات وحروب.
ما رأيت قارونيًا إلا ملكني نوع من الشعور يحسه من يلقى سجَّان النعمة وحابس القوت وغاصب الحياة. وكان في مقدور كل غني أن يكون رسول سلام وملاك حب لو أنه فقه معنى الدين، وفهم حقيقة الإنسان. وإن اللذة التي يجدها الغني البَرُّ حين يرى صنائعه يرتعون في معروفه ويستظلون بجاهه، لأصدق وأعمق من اللذة التي يدركها الغني الفاجر حين يرى ضحاياه يغمسون خبزهم في الدماء والدموع والعرق.
على أن التعبير باللذة عن ذلك الشعور الآثم الذي يجده الغني اللئيم في بؤس الناس فيه تجوَّزٌ لجهلنا اللفظ الذي يطلق على هذا الوجدان في هذا الحيوان. وبحسبي أن أضرب لك مثلين: رجلين أحدهما فاجر والآخر بَرٌّ، لتدرك بنفسك الفرق بين أثر الغني في قلب دجا فيه الكفر، وبينه في قلب أشرق فيه الإيمان.
عرفت من لئام الأغنياء رجلًا وصفته منذ عامين لقراء الرسالة فلا أسميه؛ وكان مما أملاه لسانه على قلمي قوله:
أفرط عليَّ الغني حتى غطى على بصيرتي وبصري، فلم أعرف أن لي دينًا له حرمة، وزوجة لها حق، وأولادًا لهم رعاية. وعشت لنفسي، بل لمالي: أقضي النهار له وأسهر الليل عليه، حتى كرهتني أسرتي، وحقَرتني عشيرتي، وسئمتني حياتي. وأصبت بمرض