في القديم والحديث
للأستاذ محمد عبد الغني حسن
أما الآية الكبرى الباقية في قرطبة شاهدًا على ما كان للعرب فيها من عمارة وهندسة فهي الجامع الكبير أو المسجد الجامع الذي بناه عبد الرحمن الداخل في موضع كنيسة للنصارى عوضهم عنها أرضًا واسعة ومالًا كثيرًا. وطراز هذا المسجد على غرار المسجد النبوي الذي بناه الوليد بن عبد الملك بالمدينة المنورة.
وقد وصفه (لابورد) في كتابه (صفة أسبانيا) وذكر أن طوله 620 قدمًا وعرضه 440 قدمًا. ونقل دوزي عن لابورد هذا الوصف. أما المستشرق بروفنسال صاحب كتاب (إسبانيا الإسلامية في القرن العاشر) فقد ذكر أن طوله 180 مترًا وعرضه 130 مترًا
وفي كتاب الحلل السندسية للأمير شكيب وصف مفصل لهذا المسجد، كما افاض الوصف فيه البتانوني صاحب رحلة الأندلس
وتمتاز كتابات الأمير الجليل بالتحقيق والتدقيق والشرح التفصيل والتعليق على كل مشهد والتحليل لكل حادثة؛ فهو لا يكتفي بأبعاد المسجد التي ذكرها دوزي ولابورد والبارون شاك ولكنه يسأل دليله في قرطبة المهندس هرناندز وأحد الموكلين بالجامع والقيام عليه، فذكر له أن طول المسجد 175 مترًا وعرضه 125 مترًا وذلك قريب مما ذكره بروفنسال
وعلى كل حال لا تخلو الروايات التاريخية المختلفة من اختلاف بينها على سعة هذا المسجد وأبوابه ومحاريبه وسواريه وثرياته ونقوشه ورقومه وصناعات قبلته وفرجة محرابه وقسيه وعمده
وينقل صاحب نفح الطيب عن الإدريسي كلامًا في وصف هذا المسجد، إلا أن النسختين الباريسية والاكسفوردية من كتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للإدريسي جاء فيهما ما يخالف ما رواه صاحب نفح الطيب. ولعل ذلك من أخطاء النسخ وعدم تحري الدقة في النقل، وخاصة فيما يتعلق بذكر الأرقام والإحصاء، وهذا مشاد كثيرًا لمن يكثر المطالعة في كتب الأدب والتاريخ
وأعجب ما في هذا المسجد مئذنته، وقالوا لم يكن في مآذن المسلمين ما تعدلها، فبلغ طولها