الملازم ألبير
للأستاذ محمد محمد مصطفى
كان يحمل أملًا بسامًا بين جنبيه، وبشرًا طافحًا في عطفيه وهو ينهب الطريق إلى قريته. لا يحس مسغبة وبطنه طاو، ولا يشعر بظمأ وحلقه جاف. وبدا الطريق كئيبًا موحشًا وسوق القرية خالية وعهده بها غاصة بالوافدين. . . لشد ما غيرت الحرب معالم الطريق فلا ظل وارف ولا طير غرد وهذه الحفر من فعل الطائرات، وتلك الغابة أحرقها الألمان فامتد لهيبها إلى الحقول وأهلك ما فيها من زرع وضرع
ورأى قسيس قريته مقبلًا عليه فخيل للفتى أن فاجعة ألمت به فهو يمشي وئيد الخطى أغبر الوجه، كأنما يحمل على كاهله وقر السنين. ونراه يدنو من الفتى فيعرفه ويسلم عليه ويسأله:
-أحقًا يا بني سقطت بروكسل وألقيتم السلاح؟
فسقطت دمعة كبيرة من عين الفتى وقال:
-كان ذلك حقًا يا أبتاه. . . وإلا فكيف تراني هنا. . . أمرنا الملك بإلقائه فأطعنا وما كان لنا أن نختار وآلات الألمان تفتك بنا فتك الوباء
-ليغفر الله لليوبولد زلته. . . وإلى أين يا بني؟
-إلى أمي وخطيبتي يا أبتاه. إلى قريبتي الحبيبة (فورنتيه)
-خير لك يا بني أن تعود. فقد مسحت القرية من خريطة الوجود
-ماذا. . .!
-أقول إن الجيش الألماني لم يترك حتى ما يدل عليها
-وأمي يا أبتاه!
فربت القسيس على كتف الفتى، فكاد يسقط لفرط ما دهاه، وقال له:
-يا لها من ليلة هائلة يا بني. تعال، اجلس هنا على حافة الطريق، فقد هدني من يومها الهم وتضافرت على جسمي الأمراض. . . وسكت قليلًا كأنما يستعيد ماضيًا بعيدًا ثم أردف: