الصراحة لغة الحق
للأستاذ حامد عوني
لقد عودنا الأستاذ النابه صاحب الرسالة الغراء في مطالع رسالته المشرقة أن يميط لنا اللثام عن وجه الحقيقة، وأن يسمعنا من حين لآخر صيحة الحق في غير مواربة ولا مراءاة، وذلك ما دعاني أن أتقدم إليه بكلمة هي وليدة هذا المبدأ الكريم رجاء أن يفسح لها مكانها من رسالته كما فسح لغيرها من صيحات الحق وله بعد ذلك شكر الله والناس
كان العرب - وهم في جاهليتهم الجهلاء - قومًا شبوا في أحضان البداوة الجامحة، ونشأوا في كنف العيش الجاف والحياة الشاردة، وكانوا إلى ذلك لا يدينون بغير القول الصراح، واللفظ المحسور اللثام، لا يعرفون فيه زيفًا أو مراوغة، ولا في أدائه عبثًا أو مهاودة حسبما تمليه عليهم طبيعة البادية، وتوحي به الشهامة العربية
وعلى هذا المنوال من القول نسج الإسلام رايته، وعلى غراره أدى رسالته، فعمت دعوته جميع الأرجاء
وهكذا كان القول الصريح في قديم العهد وحديثه مظهرًا واضحًا في أكثر الأمر من مظاهر الحق، ومخبارًا صحيحًا لصدق لغضبة له والذياد عنه، ودليلًا ناصعًا على قوة الأيمان به وفناء العقيدة فيه، ومحك صدق للبطولة والشهامة
ولكن - والأسف يحز في الأحشاء - درج أناس على أن يساوموا في الحق، وشبوا يستمرئون حياة المداراة والمصانعة، ويستسيغون مخزاة التواري عن وجه الحقيقة السافرة. فإذا ما استعدت الحقيقة أحدنا على المساومين فيها فأعداها، وأهابت به أن ينافح عنها فأجابها؛ قالوا: هذا باطل من القول وزور، وقالوا: هذا دفع لم يقصد به وجه الحق، وقالوا: غير ذلك مما أوحت به حفائظ الصدور لا لسبب - شهد الله - سوى التجرد لمواجهة الواقع الملموس، والجهر بما لم نستطع الهمس به، والإقرار في صراحة بما أعوزتنا الشجاعة فيه
إذا لم يتهيأ لنا - ونحن نعاني كمين الألم الصارخ - أن نضع أيدينا على الداء جزعنا أن نرى أحدنا يتوجع لنا، ويستصرخ الأساة لتضميد جراحنا. ومن ذا إذًا يرسل الآهة مدوية غير نفثة المصدور، وزفرة المكروب؟ وأي منا لم يقع في شرك هذا البلاء وتمني الخلاص