بين العبقرية والحب!. . .
للأستاذ صلاح الدين المنجد
سلك ألفريد دي موسيه في شعره طريقًا ما سلكه أحد قبله. فلقد أذاب أناته عبرات في قصائده وأخرجها للناس، فإذا فيها معان رائعة لا تنفد: تبسم بالذكرى، وتموج بالزفرات، وتنسم بوقد الجوى ساعة، وعطر الهوى ساعات. . .
وإنك لتجد في حياته الخاصة أطاريف كثيرة تتجلى في حبه اللاهب وصباه الفاجر وطفولته اللاهية. فقد كان فتى غرانقًا خلب نساء، ذا شعور من ذهب استرسلت إلى كتفيه. وكان أنيقًا في لباسه، رقيقًا في طباعه، رفيقًا بأصدقائه. حفلت طفولته بالترف والنعيم؛ فقد كان أبوه ذا يسار وسعة، فنشأه تنشئة فيها إدلال ونعومة؛ يلهو في النهار مع ابنة عمه بين الزهر، ويصغي في المساء إلى أحاديث عمه عن نابليون - الذي كان آنئذ قد ملأ الدنيا وشغل الناس - وأقاصيص جده عن الأيام الخوالي، وأعاجيب (ألف ليلة وليلة) و (دون كيشوت) ، وغيرها؛ فكان يشعر بلذة عميقة في تخيل تلك العوالم التي تفيض بالحب، وترّف بالبطولة، وتسجو بين السعود والنحوس.
وعشق شاعرنا ابنة عمه، ولما يبلغ الرابعة من عمره؛ وقد كانت تقص عليه تحت الشجر وبين الزهر أحلى الأقاصيص فسألها الزواج ذات يوم، وهو لا يدري من أمره شيئًا. فضحكت منه. وتضطر بعد شهور إلى الرحيل عنه، فيبكي لفراقها، ويحزن لبعدها؛ وتكون هذه الدموع أول ما ذرف الشاعر في سبيل الحب. . .
وكان لهوه وترفه يدفعانه إلى أعمال فيها عبث الطفولة الساخر الذي لا يخشى شيئًا، أو يخاف أحدًا؛ فلقد ألقى بكرة البليارد يومًا على مرآة في البهو فحطمها، وعمد إلى نجف الصالة في يوم آخر فمزقها؛ فلم يُسأل عما فعل خشية أن يثور حسه الرهيف فيجهد جسمه النحيف.
ولما التحق شاعرنا بكلية هنري الرابع لقي من رفقائه أذى كثيرًا: كانوا يسخرون منه ويهزءون به ويسمونه (بالآنسة) لشعره الأشقر الجعد، ولربطة عنقه الزاهية. فكان يصبر صبرًا جميلًا، ويدعهم يلعبون ويمرحون؛ حتى إذا ما أتى الامتحان أراهم الجد كيف يكون،