غريب
للأستاذ عمر الدسوقي
ولت شهور الصيف مسرعة وأذن مؤذن الواجب والدرس فلبيت كما لبى رجال يرجون حسن الثواب، وغادرت فرنسا والجسم هزيل، والفؤاد عليل، والذاكرة تغص بصور من الحياة ذات ألوان. طفقت الباخرة تسير باسم الله مجريها ومرساها صوب (نيوهيفن) وما كادت تغادر المرفأ حتى هبت العاصفة، ففتحت أبواب السماء بماء منهمر، وأعتم الجو، وزأرت الريح وزمجرت، وعبثت بالسفينة كما يعبث الوليد بخذروفه، وعادت لا تستقر على حال من القلق، يجور بها الملاح طورًا ويهتدي؛ تعلو فكأنها على قمة جبل، وتهبط فكأنها بين طيات الأخاديد، والأمواج تلطمها من غير شفقة ولا رحمة، وتدفعها بعنف ذات اليمين وذات اليسار وكأنها جبار يصب جام غضبه على صبي لا يملك لنفسه حولًا ولا طولًا، اللهم إلا البكاء والعويل؛ فكنت ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكنهم من دوار البحر في ألم مرير؛ وصراخ النساء يشق عنان السماء، ونحيب الأطفال يصدع الصخور الصماء؛ ولو كان للطبيعة الصاخبة قلب لرق ولان؛ وأنى لها وقد أطلقت لشياطينها العنان فأذاقونا العذاب الهون، أربع ساعات وكأنها أربعة قرون
وبعد لأي رست السفينة على الشاطئ الشمالي من بحر (المانش) وتنفست كما تنفس الناس الصعداء، ووطئت قدماي الأرض، وأخذت أتلمسها بيدي لأرى أثابتة هي أم متحركة؛ ونجوت بعدما يئست من النجاة، نجوت بعد أن كنت أصارع الداء والقيء، والدوار والإعصار. نجوت بعد أن هتفت باسم أهلي فردًا فردًا، والشقة بعيدة بيننا، وليث المنية فاغر فاه، والناس من حولي في شغل لكل منهم شأن يغنيه
تحرك القطار صوب لندن، فأوجست منه في بادئ الأمر خيفة، إذ كنت لا أزال حديث عهد بالسفينة القلقة، بيد أن الطمأنينة أخذت تتسرب إلى الفؤاد شيئًا فشيئًا حتى برحته الهواجس، وغادره الوجل
ها. . . قد وصلنا إلى لندن!
لست غريبًا عنك أيتها المدينة العظيمة! كنت آتيك من قبل زائرًا، وهأنذا آتيك مستقيمًا