والمؤرخ الفرنسي العلامة (أوجستين تييرِّي) الذي عمي لإفراطه في أبحاثه الدقيقة التفصيلية يذكر في مقدمة كتابه: (عشر سنوات في دراسات تفصيلية) أنه لو خُيِّرَ في اختيار حياة له ثانية لما اختار إلا أن يكون أيضًا عالمًا مؤرخًا؛ لأن الدراسة الجادة الهادئة مأمن وأمل وحرفة يبلي المرء فيها حياته بشرف. . . أعمى ومتألم بدون رجاء وبدون راحة، يمكنني أن أتقدم بهذه الشهادة التي أعتقد أنها لن تكون موضع شك بحال؛ هي أنه يوجد شيء في العالم خير من الثروة وسائر المسرات المادية ومن الصحة أيضًا: هو الإخلاص للعلم)
هكذا الدراسة العلمية وتحليل نفسيات العلماء، يكفيان لبيان أن الخير والشر، وهما موضوع الأخلاق، يلاحظان دائمًا في كل البحوث والدراسات العلمية على اختلافها.
والآن نعود إلى التساؤل الذي صدرنا به هذا البحث؛ وهو إذا كان العلم - كما تبين - لا يعارض الأخلاق ولا يغني غناءها، بل يسير معها جنبًا لجنب، هل لنا أن نسير في البحث خطوة أخرى لنعلم ما إذا كانت الآراء والحقائق الأخلاقية تبلغ من العموم حدًا يجعلها حقائق علمية، فتكون الأخلاق علمًا من العلوم؟ الأخلاق علم إذا كان هناك حقائق أخلاقية عامة؛ ولكن هل البحث الأخلاقي يكشف لنا حقائق أخلاقية عامة للجميع؟
جواب ذلك فيما يتبع هذا من بحوث إن شاء الله تعالى.
محمد يوسف موسى
مدرس الأخلاق بكلية أصول الدين