ليس من دأبنا أن نعرض للسياسة إلا من حيث اتصالها بالخلق أو
الأدب. والخلق والأدب موضوع السياسة العليا التي لا تتحزب ولا
تتعصب ولا تعرف تخوم المكان ولا حدود الزمن! ولكن بينهما وبين
السياسة الدنيا تفاعلًا وتبادلًا لا يفتران! فهي تؤثر فيهما وهما يؤثران
فيها؛ وهي تغير منهما وهما يغيران منها. والخلق بخاصة مساك الأمة
وملاك الأمر. ولم تؤت النهضات القومية في الشرق إلا من جهة
فساده. ذلك لأن الحال في الأمة العائدة أو الناشئة التي يخرج أهلها
وحدانًا من ظلام الجهل والغفلة، أن يسعى المرء فيها ليغنى، ويغنى
ليتزعم، ويتزعم ليحكم، ويحكم ليستبد، ليطغى، ويطغى ليتأله، سلسلة
من الغرائز الجافية الرذيلة حلقاتها الشهوة والطمع والغلبة والأثرة
والجموح والبغي، يصل بينها جميعًا أنانية غالبة وفردية أصيلة. فالأهل
والأصحاب والأحزاب إنما يتعاملون بغير الحق ويتجادلون بغير
المنطق، ابتغاء الفوز من وراء الباطل، والغلبة من طريق القوة؛ لأن
(الأنا) لا يعرف (الغير) ، والذات لا تدرك المعنى، إلا إذا أضاء العلم
ما حولهما فظهرت الأشخاص، وبانت الفروق، ووضحت الحقوق،
وتميزت المعالم. وحينئذ يقول كل امرئ لنفسه أول مرة: إن في العالم
ناسًا غيري، وإن لهم حقًا كحقي. ومتى شعر المرء بالناس، وفطن إلى
وجود الحق، تولدت فيه معاني الإنسانية والديمقراطية والحرية والعدل،
فيصبح خالصًا للجماعة إذا سعى، وللوطن إذا تزعم، وللدولة إذا حكم.
نحن إلى اليوم لم نخرج عن ذواتنا في العمل والسياسة والحكومة. نقيس كل شيء بمقياس