الذي يدّون الحسنة لنتعلمها، والسيئة لنتجنبها. ولا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريز من أبناء العرب، فلم يروا إلا المحاسن والمزايا، ولا كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب، فلم يبصروا إلا المخازي والعيوب، ولكن كن عادلًا صادقًا أمينًا.
وإياك وهذه الحماقة التي يرتكبها بعض الكتاب من الفرنجة حين يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يعلمون، كهذا الأخرق الصفيق الذي عمل أطروحة موضوعها (الحج) قدمها إلى جامعة كبرى وهو يجهل العربية، ولا يعرف أي كتاب من كتب المسلمين بحث في الحج، وإنما جمع الأخبار من الصحف ومن أفواه العامة؛ وكتب في نظام الريّ في الغوطة، وزعم أنه وفّى البحث وأتمّه، وهو لا يعرف منه إلا ما خبره به ثلاثة فلاحين لقيهم في قرية ذهب إليها، مع أن نظام الريّ في الغوطة لا يكاد يعرفه في دمشق إلا نفر قليل. . . وذاك الذي كان معلمًا أوليًا في بلده فصار عندنا مدير دار المعلمين العالية، فذهب مع طلابه إلى ظاهر دمشق، فمشى ينظر على جانبي طريق (الربوة) هناك وهناك. . . فوجد في الجبل أثرًا للماء، فقال: من أين جاء هذا الماء؟ لا بدّ أن يكون جاء من بردى، إذ لا ماء في دمشق إلا من بردى. فماذا تكون نتيجة البحث (البحث العلمي) في هذه المسألة؟ هي أن بردى كان يصل إلى هنا. . . إذن فقد كان عرض بردى في الماضي أربعمائة متر. . . وانطلق يقرر دائمًا هذه الحقيقة!
وبعد يا أخي، فأعلم أن أثمن نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة الأيمان، فاعرف قدرها، واحمد الله عليها، وكن مع الله ترَ الله معك وراقب الله دائمًا، وأذكر أنه مطلع عليك، يعصمْك من الناس ويُعذْك من الشيطان، ويوفقْك إلى الخير.
وفي اللحظة التي تشعر فيها أن دينك وأخلاقك في خطر، احزم أمتعتك وعد إلى بلدك، وخلّ (السوربون) تَنْعِ من بناها. . . وانفض يدك من العلم إن كان لا يجئ إلا بذهاب الدين والأخلاق. . .
أستودع الله نفسك ودينك وأخلاقك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
علي الطنطاوي