الفلسفة ونفوذها إلى صميم الدراسات الإسلامية الأخرى. ويعد الفارابي أول من سلك سبيل هذا التوفيق وأظهره في شكل مهذب منسق. ثم أتى بعده ابن سينا فسار على سنته واهتدى بهديه، ووسع طريقته وكمل ما فاته، إلا أن محاولة التوفيق التي قام بها هذان الفيلسوفان لم ترق لدى الغزالي، فشن عليها الغارة وأثار عليها حربًا شعواء ونقض أصولها وفروعها وأعمل معوله في هدم بنائها الفخم وأركانها المتينة؛ وكتابه تهافت الفلاسفة قائم على انتزاع أحجار هذا البناء الواحد بعد الآخر، وإثبات أن الفلاسفة أساءوا إلى الفلسفة والدين معًا بمحاولتهم التوفيق بينهما. وقد جاء ابن رشد أخيرًا مدافعًا عن أسلافه الفلاسفة ومبينًا ما في حجج الغزالي من مغالطة وسفسطة. ولم يمنعه تعصبه الزائد لأرسطو وعنايته الكبيرة بالفلسفة القديمة من أن يقف على هذه المشكلة ثلاثة كتب هامة هي: تهافت التهافت في الرد على الغزالي، وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ومناهج الأدلة في عقائد الملة. ولا يعنينا كثيرًا أن نعرف ما إذا كان هؤلاء الفلاسفة مخلصين في عملهم أو غير مخلصين، فهذه مسألة تتجاوز دائرة بحثنا وتتعلق بأشخاصهم وصلتهم بربهم. وما لنا نتتبع بواطن الناس وقد دلت ظواهرهم على حسن نيتهم؟ ومن لنا بالوقوف على أمر هذه البواطن والله وحده هو الذي يتولاها ويدرك كنهها وخفاياها؟ على أن البحث عن السرائر مقرون غالبًا بالشك وإلصاق تهم بأشخاص لم يقم دليل من أقوالهم وأفعالهم على اتهامهم. فلندع هذا جانبًا، ولنقنع بأن نقرر أن فلاسفة الإسلام الذين نتحدث عنهم خلفوا كتبًا تشهد برغبتهم الأكيدة في التوفيق بين دراستهم وعقائدهم، وفلسفتهم كلها قائمة على هذا الأساس
واضح أن التوفيق يستلزم على الأقل جانبين متقابلين وطرفين متنافرين. ومهمة الموفق أن يبعد أسباب الخلاف ويقرب الشقين المتباعدين؛ وهذا ما حاوله الفارابي وابن سينا في ربط الفلسفة بالدين، فقد كان أمامهما من جهة الفلسفة الأرسطية تراث الإغريق وأسمى صورة لما أنتجه العقل الإنساني في ذاك الزمن، كما كانا يعتنقان من جهة أخرى عقائد الإسلام والملة الحنيفية السمحاء التي تدعو إلى تحرير الإنسان من قيوده وتوجيهه نحو البحث والنظر. وفي فلسفة أرسطو نواح لا تلائم أصول الدين، كما أن في الإسلام تعاليم قد لا تتفق ظواهرها والروح الفلسفية؛ فعنى الرجلان بصبغ مذهب أرسطوا بصبغة دينية وكسوة الدين بثياب فلسفية، وبذا أصبحت الفلسفة دينية، والدين فلسفيًا؛ أو بعبارة أدق أصبحت