من لجين، والطير المستجم على الشجر يزقزق في أمن وهدوء. . . فكان لهذا المشهد الطبيعي وذاك النغم الهادئ في نفس سوبي فعل السحر، فوقف وقفة المتعبد الضارع في هيكل الخشوع. وترك رأسه يسقط على صدره وأرخى لفكرة العنان. . إنه ليذكر هذا اللحن السحري ويعرفه تمامًا. . لطالما ترنم به وردده يوم كانت حياته هنيئة رخية يظللها عطف الأب وحنان الأم. ويجملها أنس الصحب والرفاق ولذة الأمل والرجاء. آه ما كان أحلاها من أيام. . لقد صدق من قال: إن الدهر مداج ذميم يستل الشقاء من ضلع الهناء. ولكن لم ألوم الدهر وأنا الملوم أولًا وآخر؟ لقد أبيت الهدى والإرشاد، وركبت رأسي وسرت وفق هواي تاركًا خطاي حرة مسترسلة في دروب المعاصي والآثام، حتى استقر بي المطاف على مقعد في أحد المنتزهات. . ودفن سوبي وجهه بين راحتيه كأنما يحجب عن عينيه صور ماضيه البغيض. . ولم يلبث أن أشرق في ذهنه خاطر جميل، وشعت في ظلمات نفسه بوادر أمل. . لم لا يصلح حاله ويبدأ حياته من جديد. . إنه مازال في ربيع شبابه وكامل قوته. . فليجند قواه الفتية ويشنها حربا عاتية على قوى الشر والخمول. نعم! سينزل إلى الميدان، ويزاحم بمنكبيه، ويقرع أبواب العمل بقبضتيه حتى تستجيب له. إنه يذكر أن مستوردًا للغراء كان قد عرض عليه يومًا أن يعمل عنده سائقا، فأبي ترفعًا. . . سيذهب إليه في الغد ويعمل عنده بأي أجر، حتى يجعل من نفسه شخصًا جديرًا بالفخر.
وضاء وجه سوبي لهذا الخاطر وافتر ثغره عن ابتسامة مشرقة. . ولكنه سرعان ما انكمش في نفسه وغاض البشر من محياه، عندما هبطت على كتفه قبضة ثقيلة. فالتفت وراءه ليرى شرطيًا يتأمله. وسأله الشرطي:
-ماذا تعمل هنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟
-فقال سوبي: لا شيء
-إذن فهيا معي إلى قسم البوليس. .
وفي اليوم التالي أصدر القاضي حكمه عليه بالسجن ثلاثة أشهر في سجن الجزيرة.
رمزي مزيغيت