أحمد في زاوية منفردة وأخذ يرد على الأسئلة والمجاملات التي توجه إلى زائر جديد ردًا مقتضبًا متظاهرًا بالاهتمام بما تذيعه آله الراديو من أغان وأحاديث.
أما عقله فكان قد شرد بعيدًا جدًا. ارتد عشر سنين إلى الوراء.
ترى هل تذكرت سلمى ذلك الشاب النحيل الأسمر الذي كان يتبعها عندما كانت في الثامنة عشرة تسير في الشارع ذهابًا لمدرستها وإيابًا منها فيتبع خطواتها ويبعث إليها بكلمات دعابة رقيقة. وكثيرًا ما كانت تبتسم لكلماته ابتسامة مشرقة تسفر عن أسنان تلوح نضيدة لألاءة خلف نقابها الشفاف فتبعث ابتسامتها فيه أملًا وسحرًا. وربما لازمه طيفها بعض الليالي حتى الصباح. كان هذا ديدنه سنة كاملة إلى أن عاد يومًا من رحلته الكشفية فلم يجدها. ولما سأل عنها قيل له: إن رب العائلة غريب من دمشق فلما أحيل على التقاعد آثر العودة إلى بلده. فعرف أنه حرم منها إلى الأبد. ولا يزال يذكركم كان وصف نفسه بالجبن والغباوة لأنه لم يكتب إليها ولم يحاول أن يجد السبيل للتعرف عليها. أليست ابتسامتها كانت كافية لتشجيعه على الكتابة إليها؟! تبًا لهذا النقاب الشفاف! إنه حاجز يحول دون التعارف بين الرجل والمرأة مهما شف ورق. لعلها كانت تبادله الشعور. . . ولو أنهما استطاعا أن يتفاهما لأخلص كل واحد لصاحبه ولكانا اليوم زوجين سعيدين.
عاد أحمد من سهرته. ولو سئل عنها كيف كانت لما استطاع أن يجيب؛ لأنه ما وعي منها حديثًا، ولم يبق في ذاكرته إلا رسم قد أهيف يصلح نموذجًا لفنان: وابتسامة مشرقة لا تزال كعهده بها تسفر عن أسنان نضيدة لألاءة غير أنها كانت فيما مضى تبعث فيه أملا وسحرًا. . . أما الآن فقد بعثت فيه ألمًا ويأسًا وشعورًا قويًا بالحرمان!
مضى شهران فإذا أحمد صياد ماهر يجوب الجبال والأودية القريبة ويمتع نفسه بالطبيعة الأخاذة، وإذا هو صديق حميم لبيت المدير يتحفهم من حين آخر بصيده الوفير ويحظى بالابتسامة المشرقة. ولو سئل عن حاله لأجاب إنه قانع ولعله سعيد. . ولو خير بين العودة إلى دمشق وفيها نادية الليلي وقهوته النهارية فربما آثر البقاء في الناحية الموحشة التي صارت في نظره عامرة آهلة.
ولكن سوء طالعه لم يشأ أن يمتعه طويلًا بهذا النزر اليسير من السعادة والرضا، فقد قدم الناحية مفتش كبير، فأثنى على المدير لحسن تصرفه وعظم كفايته، وأراد أن يكافئه فترك