ثم الانتفاع بنتاجه. . . واللغة أولًا وأخيرًا، آلة جمهورية تستعملها الأمة كلها فيما وضعت لأجله، ويتفاهم بها الشعب قاطبة فيما يريد، فجمهرة كلماتها وغمرتها تتداولها ألسن الكافة، ولا سيما الأفعال والحروف. . . وكل شي يتناوله الجمهور ويغير فيه ويبدل، حتى يوافق ذوق المجموع، واللغة جزء من مزاج الشعب، فهي تختمر رويدًا رويدًا، وقليلًاقليلًا، كما يختمر العجين، ولذلك كانت محاولة تعليم الناس جميعًا لغة عامة (الإسبرانتو) عملًا صبيانيا؛ كما يقول صديقنا الفاضل الأستاذ عبد الفتاح بدوي. .
وليس التطعيم - الذي حدثنا عنه الأستاذ كامل السيد شاهين بالعدد 940 من الرسالة الغراء - مما يشوه اللغة أو يحط من شأنها وقدرها، بل كثيرا ما يزيدها رقة وعذوبة. . . فبمثل هذا التطعيم المعقول المقبول يتم لنا بقريب الشقة بين الأدب والأمة، فتختفي الهوة التي تفصل المتعلمين عن العوام شيئًا فشيئًا. وعلى مر الأيام تصير اللغتان اللتان نستعملهما لغة واحدة. . . فإن الاختلاف اللغوي بين طبقتين في الأمة لمما يضعف القومية. . .
والشعر مرآة عصر قائليه، و (ميزة الشعر المطعم عن الشعر العام أنه عصري متواضع، يمس الاجتماع الراقي كما يمس الاجتماع الشعبي، وبذلك يصور لنا ناحية يترفع عنها الشعر العام - ونحن نجني في مثير من الأحيان على التاريخ، عندما نعتمد على الشعر العام في تصوير حياة المجتمع، لأنه في برج عال رفيع لا ينحط إلى المستوى الشعبي. . .) كما يقول الأستاذ شاهين. . .
وبمناسبة مقال الأستاذ شاهين عن الشعر المطعم، أذكر أن أحد أصدقائي من الأدباء البائسين، أتاني ليلة عيد الأضحى، منذ سنوات مضت، يشكو لي ضيق ذات يده، وحرمانه من تذوق لحوم الأضاحي. . . ثم تركني ومضى. . فقلت:
-على لسانه - واصفًا شتى أحاسيسه:
تثير دوما شجوني ... رؤيا بدت لعيوني
رأيت في الحلم كبشًا ... معذبا ذا أنين
يصيح في القوم: ماءا ... قبيل عصف المنون
فقلت للكبش: صبرا ... كل يزول وديني!
قد جف ريقك لما ... رأيت هول اليقين!