هذه الحقيقة المرة التي فجعت آمالي، وخيبت ظني في هذا المعمل الوطني، لأنه في الواقع يستمد حياته من معمل شل، ولا يكاد يستقل بأمره، أو ينهض فريدًا بأعباء العمل الذي من أجله قد بني، إلا إذا أردنا نحن المصريين له مخلصين. .
أما معمل تكرير البترول الإنجليزي، وأعني به معمل شل فإنه يفوق معمل تكرير البترول المصري بمئات المرات لا أقول مساحة وإنما أقول إنتاجًا وكفاية، واستعدادًا للطوارئ، ومواجهة للظروف كائنة ما كانت. . إنهما كالعملاق الجبار الذي يزهو بقوته وجبروته، والقزم الذليل الهزيل الضعيف، الذي يتضاءل ويتضافر خجلًا واستحياء لئلا تقع عليه العيون، لشعوره بضعفه وحقارته، وضآلة شأنه، وهوانه على الناظرين. .!!
وينتج هذا المعمل بجانب الأنواع التي ينتجها المعمل الحكومي - الديزل والفزلين والإسفلت وغير ذلك مما يحتاج إليه الاستهلاك الشعبي، والسوق في مختلف نواحي العالم. ولا يخفى ما في ذلك من ربح وفير. . وإن زيادة واحدة لمدينة السويس حيث يقوم هذا المعمل الكبير المترامي الأطراف، وجولة خاطفة بالغردقة ورأس غارب وسناجة. . تجعلنا ندرك إلى أي حد تتدفق الأموال باستمرار في جيوب هذه الشركة العاتية، أو بعبارة أدق كيف يسيل الذهب من مصر إلى خزائن الإنجليز براقًا يخطف بالأبصار. . ثم لا يعجب بعد ذلك لما يراه من مظاهر الغنى والثراء التي تكتنف هذه الشركة، وتحيط بموظفيها من الإنجليز بخاصة لأنهم الذين يستأثرون مع قلتهم بالمناصب الكبيرة ذات المرتبات الضخمة جدًا، ولا يضير الشركة ذلك ما دام سيتمتع بمرتباتها الكبيرة أبناؤها من الإنجليز، لأن الإنجليزي يعرف كيف لا ينفق قرشًا واحدًا خارج بلاده، ويدفع بجميع ما يمتلكه داخل بلاده، ولعلنا ندرك بعد هذا السر في تقشف هؤلاء الإنجليز المصطنع وبخاصة كبار الإنجليز في وزارة المعارف وغيرها من الوزارات، يرتدون أقل الملابس قيمة، وأحقرها شأنًا، إلى حد أن يوقع الناظر إليهم في الضحك الساخر، والهزء اللاذع، وإن كانوا لا يقيمون وزنًا لكل ما يسمعون، فلقد ضرب بهم المثل في الصفاقة والبرود، ولهم دائمًا أذن من طين، وأخرى من عجين كما يقولون. .
وتحتل إدارة هذه الشركة في القاهرة أكبر عمارة في ميدان توفيق، مكونة من ستمائة حجرة، ومجهزة بآلات تكييف الهواء صيفًا، وأنابيب التدفئة شتاء، ويمتلك هذه العمارة