أليس عليه أن يواصل السير في تبليغ الرسالة التي أؤتمن عليها، وأن يسوس بالعدل والرحمة الأمة التي بعث إليها، وأن يثبت بين الناس شرعة قد نشر لواءها، ويسلك بهم وديانًا قد مسح غثاءها؟
أليس عليه أن يؤدي لله شكرًا على هذا النصر والتأييد؟ وأداء هذا الشكر لا تعرفه إلا هذه النفس العظيمة التي لا ترضى فيه بما دون الغاية، ولا تنتهي فيه إلى نهاية؟
أليس في ذلك من العناء والجهد ما يهون بجانبه عناء الحرب وجهادها؟
وأهون ما يهون به عناء الحرب وجهادها أن رسول الله المؤيد بروح الله، ليس عليه إلا أن يستنفر الناس فيسعوا إليه زمرًا تخضع لآرائه، وتنضوي تحت لوائه؛ وأما جهاد السلم الذي ألممنا ببعض نواحيه إلمامًا فمكتوب عليه وحده، يضطلع بالأمر فيه، ويحيط بأسراره وخوافيه، وهو في هذا الجهاد أعزل أكشف لا عدة له إلا نفس عظيمة في صدره، ووعد من الله بنصره!
وسوق الناس إلى الحرب ليس بالأمر الشاق العسير: فساعة الحرب تسبقها أحداث وخطوب وإحن وحفائظ: تستنهض الهمم، وتستنفر النفوس، وتستثير العزائم. فما هو إلا أن يستنفروا فينفروا وينساقوا إلى الحرب وردًا، يؤزهم الحماس أزا، حتى إذا (حميت وشب ضرامها) رخصت الأرواح وهان الموت: فما ترى الناس يفكرون أو يترددون، ولكن إلى حياض الردى يتدافعون: لا يصدهم عنها صاد ولا يتكاءدهم في سبيلها عقبة، وأنى لهم أن يترددوا والحافز لا تفتر همته، والدافع لا تهن عزمته. وهم لا يستشعرون عناء للحرب، ولا يرون خطرًا للقتال، ولا يفكرون في بلاء الغزو. لأنهم لا يجدون متسعًا لأن يشعروا أو يبصروا أو يفكروا
أما في السلم فما أشق الرسالة وما أخطر الجهاد! الناس هادئون وادعون، يجدون من الوقت والطمأنينة متسعًا للتخاذل والتفكير، والتردد والتدبير، والاختلاف والمحال، والتنكر والجدال، أليس شاقًا جهاد الرسول: وهو يدعوهم إلى دين لم يعرفه آباؤهم، وخلق لم تألفه طباعهم، وحياة غير التي ألفوها؟
على أن رسول الله حين أشار إلى الجهاد الأكبر، جهاد الحياة، لم يكن يحدث الناس بما سيلقاه وحده من نصب وإعنات، وإنما أراد أن يذكرهم بما كتب عليهم جميعًا من جهاد في