فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تقول حفيدته عبادة العظم: نشأت وترعرعت في كنف جدي وأمي وأنا أعتقد -كما يظن ويعتقد كل طفل- أن كل الناس يتربون ويتوجهون في بيئة إن لم تماثل بيئتي فهي مشابهة لها، وكنت أسمع الناس يمتدحون جدي فلا أدرك من الحقيقة إلا أن الناس عرفوه يحدثهم في الراديو والتلفزيون، فأحبوه، فامتدحوه، وكنت أنا مثلهم أحبه كثيرًا، لما أراه منه، فلم أعر الأمر اهتماما.
وما لبثت أن كبرت قليلا، واختلطت بالناس فبدأت أدرك شيئًا فشيئًا الفروق الجوهرية بين جدي مربيا وبين سائر المربين، وكنت كلما اجتمعت مع أقراني لمست التباين بين أسلوبه في التوجيه وبين أسلوب بقية الوالدين، وكنت كلما سمعت مشكلات الآباء في تربية الأبناء، أعترف لجدي بالتميز والإبداع في معالجة الأخطاء وتعديل الطباع، وساهمت خالاتي وأمي في تبصيري، وذلك بما كنّ يقصصنه عليّ من قصصهن مع جدي، وبما كن يكننّه له من الاحترام والشكر والتقدير، وبما كنّ يحملنه من إيمان عميق بالله، ومبادئ عظيمة تعلموها من شرع الله.
فلم أكد أتفهم هذه الحقائق، وأتبين الأثر الكبير الذي أوجده جدي فينا، حتى شرعت بكتابة المواقف المهمة العالقة في ذاكرتي، إذ أحسست بأن هذه التوجيهات حري بها أن لا تبقى حبيسة معرفة بعض الناس الذين هم أحفاد الطنطاوي بل ينبغي أن تنشر ليطلع عليها الناس، لتكون لهم عونًا في تنشئة أبنائهم وبناتهم ولهذا أصدرت عنه كتابي.
وعن كتابها"هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي"تقول:
لم أكن عند جدي عندما عرض الكتاب عليه لأول مرة. فقد حمله إليه زوج خالتي"نادر حتاحت"بصفته ناشر الكتاب، ولما قرأه جدي اتصل بي هاتفيا وقال: الكتاب جيد بل هو جيد جدًا، وأسلوبه جميل. لكنه عقّب بقوله: ومن الصعب عليّ يا ابنتي أن أمتدح هذا الكتاب أو أدلي برأيي الصريح عنه، لأنه عني، وأخشى أن يظن الناس أني أفعل لأجل ذلك. ثم ختم كلامه بقوله: وأنا لست كما وصفت فأنت التي جملت الحوادث وصورتها بتلك الطريقة.
وكان ذلك تواضعًا منه فأنا ما كتبت غير الحقيقة وما صورت إلا ما رأيته، وما قال ذلك جدي إلا تواضعًا.
وعن رؤية الشيخ الطنطاوي للمرأة وخصوصًا أنه لم يرزق بالبنين تقول:
جدي إنسان كأي إنسان آخر يحب أن يرزق البنين، فيحملون اسمه ويتعلمون مما علمه الله ويكونون خلفاء له وهو لم يتوقع أصلا ألا يولد له ذكر، فلما جاءته ابنته الأولى رضي بقضاء الله وسعد بها، بل أحبها وأخواتها - من بعد- حبًا شديدًا، وأولاهن من العناية والرعاية والاهتمام ما لميوله أب آخر ممن أعرف أو سمعت عنهم.
أما احترامه للمرأة فهو شيء معروف عنه، وكان في أحاديثه يدافع عن النساء ويذبّ عنهن، ويحذر الرجال من الظلم والتعدي، وكان يردد دائمًا: أن الدرجة للرجل على المرأة درجة واحدة، وليست سلمًا. حتى لقّبوه بناصر المرأة، وهو كذلك معنا فقد كان يؤثرنا أحيانًا -نحن الحفيدات- على الأحفاد، وقد بذل لنا الكثير، وأكرمنا زيادة عنهم في بعض المواقف ولكن دون أن يشعروا حتى لا يتسبب ذلك في أذاهم.
شخصية الشيخ علي الطنطاوي
وحول شخصية الشيخ علي الطنطاوي وكيف جمع بين العلم والدين والأدب والحياة تقول: ساءلت نفسي هذا السؤال مرة، ثم وجدت الجواب في سيرة جدي، فقد مر بظروف قاهرة ومؤلمة، فعوذه الله بمجموعة من العطايا، أهلته إلى النجاح.
كان يتيمًا وحيدًا بلا أب ولا أم ولا سند مادي أو معنوي، فأعطاه الله العقيدة السليمة، وقوة الشخصية، فكان بلسانه وقلمه سيفًا مسلولًا على أعداء الله ورسوله، فان يترصد الباطل ويقتله، ينازل الفسوق فيقهره، ويبارز الكفر والانحلال والمجون فيغلبهم جميعًا، وكان صدّاعًا بالحق، لا يسكت عن إنكار منكر، ولا تمنعه منه هيبة ذي سلطان، جريئًا لا يهاب أحدًا ولا يخشى إلا الله، متمردًا على العادات والتقاليد المخالفة للإسلام، فرفع الله بعمله هذا ذكره بين الناس.
وكان محبًا للعزلة والانفراد فأعطاه الله حب العلم، والشغف بالقراءة والاطلاع، ورزقه الذكاء والذاكرة العجيبة، وسرعة الاستيعاب فلم تكن إلا سنون حتى جمع علمًا غزيرًا متنوعًا، فهو أديب، ولغوي فقيه، وعالم نفس، وهو قارئ نشيط في الطب والفلك، فسهل الله له بعلمه الطريق إلى عقول الناس.
(يُتْبَعُ)