والناس في زماننا -وفئة الشباب على وجه الخصوص- تكتنفهم طرق: فمن الشباب من ابتلاه جل وعلا بالمخدرات والمسكرات، وهذا ناجم عن أمرين: عن ضعف الإيمان، وضعف الشخصية، فضعف الإيمان لأنه ارتكب معصية، وضعف الشخصية لأنه لا يستطيع أن يواجه الواقع الذي يعيشه، والمخدرات بأنواعها تجنح به إلى عالم الخيال، ثم لا يزال في ذلك الأمر حتى يهلك عياذًا بالله، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
وفئة أخرى: قد لا تصل إلى مرحلة المخدرات، لكنها فتنت بحضارة الغرب، فتراهم في بعض الطرقات المعينة كشارع السلطانة في المدينة، وشارع التحليه بجدة، وشارع الملك خالد في الخبر، وغيرها يلبسون الألبسة التي لا تليق بشخص مقتنع برجولته فضلًا على اقتناعه بإيمانه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) ، وقال تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36] .
وجعل لكل الناس شرعةً ومنهاجًا وطريقًا بينًا، وهؤلاء فيهم ضعف إيمان، وفيهم مركب نقص، ومركب النقص: أن الإنسان كلما شعر بالنقص في نفسه حاول أن يغطيه بشيء آخر، فهو يحب أن يلتفت الناس إليه، والتفات الناس يبحث عنه الإنسان بأي طريقة، فهذا شيء جبل الخلق عليه، لكن أولئك الفئة تحتاج إلى نوع من الرعاية من المربين والآباء لكونهم ظلموا أنفسهم ظلمًا كثيرًا بتلك الأجساد العارية، والسلاسل التي تلبس وأمثالها، عافانا الله وإياكم من ذلك.
الفئة الثالثة: فئة قد لا تكون من هؤلاء، لكن ليست لديهم همة، صحيح أن الله حماهم من المخدرات ومن التزين والتميع، لكنهم يسمون في عرف الناس: أشخاصًا عاديين، فهو لا يريد أن يرتقي بنفسه، والعاقل ينبغي أن يكون يومه خيرًا من أمسه، وغده خيرًا من يومه: رأيتك أمس خير بني لؤي وأنت اليوم خير منك أمسِ وأنت غدًا تزيد الخير خيرًا كذاك تزيد سادتنا وتمسي فالإنسان يرتقي بنفسه إلى المعالي يومًا بعد يوم، لكن هؤلاء الفئة راضية بوضعها، ولا يحسن بالمرء أن يرضى بوضعه في طريق المعالي.
وفئة -جعلنا الله وإياكم منهم- وأظن أن أكثركم منهم: هؤلاء يصدق فيهم كثيرًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وشاب نشأ في طاعة الله) ، وهؤلاء هم الذين بهم تفخر الأمة، وهم تعتمد عليهم الأمة بعد الله جل وعلا.
لأن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا فلله أوس قادمون وخزرج وأنا أقول لهم وصية واحدة مهمة: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، قالها بعد أن قال: (واسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد) ، هذا حديث العرباض بن سارية، ذكر فيه صلى الله عليه وسلم: تقوى الله، والسمع والطاعة، والبعد عن البدع، والبعد عن البدع أكثر الشباب محفوظون منه ولله الحمد.
بقيت قضية الخروج على ولاة الأمر، وهذه مهلكة من المهالك؛ لأن اتباع ولي الأمر أصلًا جعله الله دينًا وملة وقربة، وقد قلت قبل قليل بحماس زائد قليلًا: عرف دينه من طأطأ رأسه لكتاب الله وسنة رسوله، فلا تجعل هوى قلبك هو الذي يقول، وقد ترى أخطاء لا تستطيع أن تطيقها، لكن يمنعك ويلجمك حكم السمع والطاعة لمن أمرك الله بالسمع والطاعة لهم، ولا يعني هذا ترك النصح أوترك الدعوة أو بيان الحق معاذ الله! لكن الله جل وعلا أمر رسوله بجماعة المسلمين، وحذر من الافتتان واصطدام الرأي، وسفك الدماء بين الأمة الواحدة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) .
فهؤلاء الشباب الذين منّ الله عليهم بدور العلم، وحلقات التحفيظ، والصلوات في الليل، وبرّ الوالدين، هؤلاء هم أفضل هذه الأمة في عصرنا هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ، وذكر منهم: (إمام عادل) ، ثم ثنى بقوله: (وشاب نشأ في طاعة الله) ، ولا يوجد شيء أعظم من أن تنشأ في طاعة الله، وعلى قول بعض الأخيار -ممن أدركناهم في المدينة- يقول: إذا أذن المؤذن الأول رأيت أولياء الله يخرجون من جحورهم، ورأيت إخواننا الموريتانيين الشباب يتجهون إلى الحرم -ولا نزكي على الله أحدًا- لكن هؤلاء الفئة هم أقرب الناس إلى ربهم، الذين ينتظرون وقت فتح أبواب الحرم ليدخلوه، بينما غيرهم نائم أو على لهو، أو على مجون أو سهر، أيًا كان نوع حياتهم مباحًا أو حرامًا، لكن لا يقاس هذا بهذا: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21] .
ختام ما نريد أن نقوله: إن الإنسان ينبغي عليه أن يعلم أن الدنيا عمومًا أيام معدودات، وأنفاس محدودة، وما مضى من يومك إنما هو بعضك، ولقاء الله حق لا بد منه، قال عليه الصلاة والسلام: (وما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ، لكن على الإنسان في الختام أن يتقي الله في نفسه وفيمن حوله، ويحاول أن يسلم المسلمون من لسانه.