فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 797

ساعة الاحتضار هي الساعة أو اللحظة التي تسبق انفصال الروح الثاني عن الجسد، وهذه الحالة تحيط بها السكرات التي تعوذ منها صلى الله عليه وسلم يوم عانى من نزع الروح، فكان عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق على الله- يضع يده في الإناء ثم يمسح بما أخذ بيديه من ماء وجهه ويقول: (إن للموت لسكرات، اللهم إني أعوذ بك من سكرات الموت) ، فهذا نبي الأمة صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من سكرات الموت.

وورد أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه كانت بجواره ابنته عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما رأت ما بأبيها من ثقل قالت مرددة ذلك البيت المشهور: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر فقال: ليس هذا يا بنتاه، ولكن قولي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق:19] ، فسكرات الموت هي كرباته وغمراته التي تحيط بالمخلوق حين يعاني من نزع الروح وانفكاكها بالكلية وانفصالها عن جسده.

وفي ساعة الاحتضار تتنزل الملائكة تطمينًا للمؤمنين، قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ} [فصلت:30] وذلك يكون في ساعة الاحتضار {أَلَّا تَخَافُوا} [فصلت:30] من مستقبل أيامكم {وَلا تَحْزَنُوا} [فصلت:30] على ما فاتكم من الدنيا، ثم تبشرهم {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [فصلت:30 - 31] أي: كما كنا نؤيدكم على اتباع الحق في الدنيا فإنا نؤيدكم في هذه الساعة العصيبة، ثم نؤيدكم يوم يقوم الأشهاد لرب العالمين، قال الله جل وعلا: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:23 - 24] .

وساعة الاحتضار هذه يفتن فيها العبد، ويقرب فيها الشيطان، ويحاول قدر الإمكان بوساوسه ونزعاته، ألا يفلت منه بنو آدم؛ لأنه -عليه من الله اللعنة- أخذ على نفسه العهد والميثاق أن يضل بني آدم، فإذا قارب العبد الموت خاف أن يفوته، فهناك يبذل الشيطان كل ما في وسعه من وساوس ونزغات وشبهات، محاولًا أن يصرف العبد عن طاعة الله، وأن يغويه؛ لأنه ليس هناك فسحة للتوبة أو الرجوع أو الإنابة بعد ذلك؛ لأن الإنسان مقبل على الآخرة مدبر عن الدنيا، فنسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة في كل آن وحين.

وبعد النزع تخرج الروح، فإن كان مؤمنًا تنزع نزعًا خفيفًا، ويكون منظر الملائكة يراه العبد المؤمن منظرًا مطمئنًا مبشرًا، أما إذا كان العبد كافرًا أو منافقًا أو مبالغًا في فجوره وفسقه فإنه يرى منظر الملائكة منظرًا مخيفًا، وتستل روحه كما تستل الشوكة من العجين، وبعد ذلك تصعد الروح، فإن كانت مؤمنة نوديت بأحسن الأسماء، وفتحت لها أبواب السماء، وإن كانت خلاف ذلك أغلقت دونها أبواب السماء ونوديت بأخبث الأسماء، ثم تعود كرة أخرى إلى جسد صاحبها مصداقًا لقول ربنا جل جلاله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت