السؤالما هو الطريق إلى خشية الله تعالى؟
الجوابهذا أمر طويل جدًا، ولكن نقول من حيث الجملة: إن الله جل وعلا غني كل الغنى عن طاعة أحد، وإن من أعظم طرائق الوصول إلى خشية الله أن يستقر في قلبك أن الله جل وعلا غني كل الغنى عن طاعتك، وأنك في ذات الوقت مفتقر كل الفقر من جميع وجوهه إلى ربك تبارك وتعالى.
فإذا رزق الإنسان قناعة ويقينًا تامًا بهذا الأمر -نسأل الله لي ولكم التوفيق- فإنه يرجى بعد ذلك أن يعرف الطريق إلى خشية الله جل وعلا، فلابد من أن يكون هناك يقين بأن الله جل وعلا خالق وما سواه مخلوق، وأن الله جل وعلا رب وما سواه مربوب، وأن الله جل وعلا وحده رازق وما سواه مرزوق، وأن الخلق مهما عظمت منازلهم وكثر مالهم وساد جاههم وجل ملكهم هم خلق من خلق الله لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا فضلًا على أن يملكوه لغيرهم، وأن الله جل وعلا لا تضره معصية أحد كائنًا من كان، ولا يبلغ مدحه قول مادح كائنًا من كان، ولا تنفعه طاعة أحد كائنًا من كان.
فإذا عرفت أن ربك جل وعلا عظيم جليل رزقت بعد ذلك الخشية منه جل جلاله.
ومن جملة ما نقوله ونكرره دائمًا أن تحاول أن تعظم الله عند خلقه حين يمن الله عليك بالمنبر تصعده، أو بكلمة تلقيها في جامع، أو تلقيها لزوجتك وأولادك، أو لطلاب في المدرسة، أو بملعب كرة تلعب فيه مع زملائك، أو بمجلس احتفال مع زملائك.
فادخل مثل هذه الأمكنة ولا يكون لك إلا هم واحد، وهو أن يحب الناس ربك ويعظموه، أيًا كان نوع المجلس، حتى لو كان في ملعب كرة، فإن ابتليت بحب الكرة وكان حولك اثنان أو ثلاثة أو أربعة فإن أي فرصة تعرف فيها أنك تغرس عظمة الله جل وعلا فيها فيمن حولك عليك أن تنتهزها.
فليكن همك أن يخرج من حولك معظمين لله، وقد ذكرت الملعب كحد أدنى، وقس عليه الأماكن الفاضلة كالمساجد، فأي مكان تدخل ينبغي أن يكون همك الأول أن يعظم الله جل وعلا وأن يحب، فتذكر فضل الله جل وعلا على خلقه ومنته عليهم، وتجعل من حولك يحبون الرب تبارك وتعالى، حتى لو غلب على ظنك أن الناس سيظنون بك الرياء، فثق بأن الله جل وعلا يعاملك على ما في قلبك لا على نظرة الناس إليك.
وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فالله جل وعلا لا يحاسبنا على نظرة الناس إلينا، فهم يحكمون على ما يرون، والله جل وعلا وحده يتولى السرائر، ولكن محال أن يحاسب الله أحدًا على نظرة خلقه إليه، بل يحاسب عبده على ما علمه منه، قال الله جل وعلا: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق:9] .
فلو أن الناس اجتمعوا على ذم أحد وهو عند الله عظيم فإن الله جل وعلا يقبله، ولو أن الناس اجتمعوا على حب أحد وهو عند الله حقير فإن الله جل وعلا لا يقبله أبدًا؛ لأن العبرة بما انطوى عليه القلب من محبة الله وإجلاله وإعظامه.
وغاية الأمر أن تعلم أنه لا يوجد منزلة أعظم ولا أجل من أن تجلس مجلسًا تعظم الرب تبارك وتعالى فيه، فإن فعلت فثق بأن الله جل وعلا سيجعل لك حظًا ونصيبًا كبيرًا من أمور شتى لا يحسن التفصيل فيها، نسأل الله لنا ولكم من فضله العظيم.