فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 797

ومن أعظم أسباب قسوة القلوب: ظلم المؤمن لأخيه المؤمن، كظلمه لزوجته، وظلمه لأولاده، وظلمه لأبويه -وهذا من أعظم الظلم- وظلمه لجيرانه، وظلمه لعامة المؤمنين، وظلمه للولاة، وظلمه للعلماء وقدحه فيهم وتنقيصهم، وكل ذلك ما لم يأذن الله جل وعلا به.

وأعظم من ذلك: أن يتسلط أحد على أحد بعينه يريد أن يسفك دمه، أو يهتك عرضه، أو يأخذ ماله، فإن هذا من أعظم أسباب سوء الخاتمة.

روى البخاري في التاريخ الكبير بسنده إلى محمد بن سيرين أن محمدًا رحمه الله قال: كنت عند الكعبة فرأيت رجلًا يدعو يقول: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي.

فقال له محمد: يا هذا! ما سمعت أحدًا يدعو بمثل دعاءك! فقال: يا ابن سيرين! إنك لا تدري ما خبري، إنني كنت قد أعطيت الله عهدًا أنني إذا لقيت عثمان بن عفان أن ألطم وجهه ولحيته، فلما قتل عثمان فوضع على سريره ليصلي الناس عليه في بيته دخلت عليه فيمن دخل كأني أريد الصلاة عليه حتى وجدت خلوة، فلما وجدت خلوة رفعت عن كفنه وغطائه فلطمته على وجهه ولحيته وهو ميت، فما رفعت يدي إلا وهي يابسة كالعود، قال ابن سيرين رحمه الله: فأنا -والله- نظرت إلى يده شلة يابسة كالخشبة.

فهذا قال الله عنه: {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9] .

وكذلك ظلم العباد وغشهم، وعدم الورع في أموالهم أو أعراضهم، سواء أكان أجيرًا أم عاملًا أم موظفًا، أم زوجة أوكل الله جل وعلا إليك رعايتها، أم أبناء وبنات، أم أيتامًا وضعوا في حجرك، أم طلابًا بين يديك، فكل من جعلك الله جل وعلا بقدرته راعيًا عليهم ينبغي عليك ألا تظلمهم، بل ينبغي عليك أن تهتدي بخلق نبينا صلى الله عليه وسلم الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] .

وثمة قاعدة مريحة في هذا الأمر، وهي أنك إذا أردت أن تسأل نفسك: ماذا أصنع بمن أوقفه الله ذليلًا بين يدي؟ فاصنع به ما تحب أن يصنعه الله معك إذا وقفت ذليلًا بين يديه، فاصنع به ما تحب أن يعاملك الله به إذا وقفت ذليلًا بين يديه، وما الدنيا إلا مزرعة للآخرة، والله يقول: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت