ثالثة الوصايا: اعلم أن الود والمحبة ليس من شرائطه الالتزام الكامل، فبعض الشباب إنما يقيس محبة أخيه له بمدى تعلقه به وغدوه ورواحه معه، فإما أن تكون معي أربعًا وعشرين ساعة، وإلا فإنك لست خليلًا ولا محبًا، بل تكون شخصًا مبغضًا.
فنقول: إنه لا يخلو كل فرد من خاصة في نفسه، وانقطاع إلى أهله، وشئون يحب أن يقضيها بمفرده، فأعط أخاك المؤمن فرصة في أن يبقى في بعض أوقاته وحيدًا دون أن تكثر عليه من الغدو والرواح، ولا تظنن يومًا من الدهر أن غدوك ورواحك وانقطاعك إليه ساعات كثيرة متواصلة هو السبب في أن يكون محبًا لك، إن من لم تغرس لك المحبة في قلبه لن يغرسها غدوك ورواحك، فإن حياة القلوب غير حياة الأبدان.
وقد زعموا أن المحب إذا دنا تسلى وأن القرب أوهن للود ولكن تدانينا فلم يشف ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود فلو ألصقت بيتك ببيته، وجعلت له مكانًا ثابتًا في سيارتك، ولكن ليس لك في قلبه محبة أو مودة أو مكانة، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئًا.