كما أن من قصائد الرثاء المؤرخة الموثوقة المثبتة أن أحد الولاة غضب يومًا على وزيره، وكان الوزير كريمًا سخيًا بين الناس، فصلبه بعد أن قتله، وعلقه مصلوبًا، فكانت هيئة الرجل وهو مصلوب مثل هيئة الصليب، وأوقد حوله النيران، وجعل حوله الحرس حتى لا يصل أحد لإنقاذه.
فجاء رجل من الشعراء كانت تربطه بذلك المصلوب صداقة حميمة، وكان المصلوب وزيرًا فصيحًا بليغًا كثيرًا ما يخطب في الناس، وكثيرًا ما يتصدق على الناس، فالناس حوله إما أن يخطب فيهم، وإما أن يعطيهم، وهي هيئة تستلزم من الرجل أن يمد يديه، فلما رآه ذلك الشاعر قال أبياتًا حسد القاتل المقتول وتمنى لو كان هو المصلوب قال: علو في الحياة وفي الممات لحق تلك إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات كأنك قائم فيهم خطيبًا وكلهم قيام للصلاة وتوقد حولك النيران ليلًا كذلك كنت أيام الحياة ولما ضاق بطن الأرض عن أن يضم علاك من بعد الوفاة أحالوا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافيات وما لك تربة فأقول تسقى لأنك نصب هطل الهاطلات وهي أبيات في قمة الشعر يقول له: إن الناس من حولك ينظرون إليك كأنك حي، فكأنهم ينتظرون منك أن تخطب، أو ينتظرون منك أن تعطي، ولما كانت الأرض لا تليق بك جعلوا من الجو والأماكن العالية قبرًا لك، وجرت العادة أن الناس تدعو على القبر أن يمطر ويسقى، فقال للمصلوب: أنت الغيث بعينه، وأنت المطر الذي تنزل على الناس، فجعل حسرة المصلوب رحمة عليه، وإن كانت بعد وفاته لا تنفعه، لكنها في قمة رثاء الذي علمناه وسمعنا به.