وأما ما دلت عليه الآية فإن الله بهذه الآية يخوف عباده، ويبين لخلقه أنه لا نجاة إلا بتقواه، وأن الإنسان لن يأمن في ذلك اليوم إلا إذا كان خائفًا قبله، والله جل وعلا لا يجمع لأحد أمنين ولا يجمع على أحد خوفين، فمن خاف الله جل وعلا وعظمه وأجله في الدنيا أمن يوم القيامة، ومن كان آمنًا مستقرًا معرضًا عن الله غير مبالٍ لا يأمن مكر الله في الدنيا فلا يمكن أن يكون آمنًا يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل.
قال الله جل وعلا: {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2] أي: الذي جعل هؤلاء القوم كأنهم سكارى وما هم بسكارى هو ما يرونه من عذاب الله وشدة وفزع وأهوال ذلك اليوم، فتدنو فيه الشمس، ويلجم فيه الناس العرق، ويرى الناس فيه ما يرون مما لا يعلمه إلا الله.
وقد جرت العادة أن الإنسان إذا دخل محفلًا في أي مكان، فإنما يذهب إلى الذين يعرفهم، ويبتعد عمن لا يعرفه، وهذا جبلّة في الخلق، من دخل مسجدًا أو دخل بلدة وهو غريب عنها أو مطعمًا أو دخل حفل زواج يبحث عمن يعرفه، حتى يجلس معهم، ففي يوم القيامة ينعكس هذا الأمر؛ لأن الناس في عرصات يوم القيامة يقول الله عنهم: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37] .
فلماذا يفر الإنسان ممن يعرفهم، ولم يذكر الله أنه يفر ممن لا يعرفهم؟ لأن الإنسان في هذه الدنيا يتعامل مع من يعرفهم، فيخشى يوم القيامة إذا رآهم أنه يكون قد ظلمهم، فيفر منهم خوفًا من أن يطالبوه بحسنات، وهو يومئذٍ حريص كل الحرص على حسناته، فالزوجة تطالبه، والأب يطالبه، والأم تطالبه، والأخ والجار وكل من يعرفهم، فالذين جرت بيننا وبينهم معاملات نحن عرضة لأن نظلمهم، وهم عرضة لأن يظلمونا، فيوم القيامة: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} [عبس:34 - 35] {وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ} [المعارج:12] .
وأما الذي جرت العادة أنك لم تره في حياتك، ولم تجر بينك وبينه معاملة فيوم القيامة لا يحدث فرار منه؛ لأنك في الغالب في مأمن منه وهو في مأمن منك، والإنسان -وهذا نقوله مرارًا في دروسنا ومحاضرتنا- أعظم ما يلقى به الله ممن يؤمن به الخوف أن يفر من مظالم الناس.
روى الإمام البخاري في تاريخه من حديث محمد بن سيرين قال: كنت عند الكعبة فسمعت رجلًا يدعو ويقول: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي، قال: فقلت له: ما رأيت أحدًا يدعو بمثل هذا الدعاء، قال: إنك لا تدري! إنني كنت قد أعطيت الله عهدًا أنني إذا لقيت عثمان بن عفان أن ألطم وجهه ولحيته، فمات عثمان قبل أن ألطمه، فلما قتل ووضع على سريره في بيته ليصلي الناس عليه دخلت عليه في جملة من أراد أن يصلي عليه، حتى وجدت خلوة فكشفت عن وجهه ولحيته فلطمته، فما رفعت يدي إلا وهي يابسة كالخشبة، قال ابن سيرين رحمه الله: وأنا والله نظرت إلى يده وهي يابسة كالعود.
فمن تحرر من مظالم العباد، ومنّ الله عليه بالفوز الأعظم وهو التحرر من الشرك بالله، وأعطى اليقين بالله مع توحيد الله جل وعلا وإفراده تبارك وتعالى بالعبادة فهذا آمن جملة يوم القيامة فهذا ما يمكن أن يقال أيها الأخ المبارك عن الآية الأولى.