قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1] ، قلنا: إن يعدل هنا تأتي بالمعنيين، وقلنا: إنه لا حرج في اتخاذ أحد هذين المذهبين، كذلك في قوله تبارك وتعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] ، هنا جعل بمعنى: خلق، لكنها ليست دليلًا للمعتزلة في: أن جعل تأتي بمعنى: خلق على الإطلاق، وهذا حررناه في لقاءات سابقة، لأن المعتزلة الفرقة المعروفة تقول: إن جعل في القرآن كله بمعنى: خلق، وهذا مما يحاولون به الوصول إلى أن القرآن مخلوق، والقرآن قطعًا منزل، لكن جعل تأتي أحيانًا بمعنى: خلق، وتأتي أحيانًا بغير معنى خلق، قال الله تبارك وتعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف:19] ، فهذه ليست بمعنى خلق اتفاقًا، فلا يمكن لأهل الكفر أن يكونوا خالقين للملائكة، لكنهم اعتقدوا هنا أن الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، فقول الله جل وعلا: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] إنما هو تفنن في الخطاب، وإلا فخلق السموات والأرض هو عين خلق الظلمات والنور.
هذا ما تحرر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، حول الآية الأولى التي افتتح الله جل وعلا بها سورة الأنعام.
سائلًا الله لي ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله، لحمد لله رب العالمين.