الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله رب الأرض والسماوات وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله أتم الله به النبوة وختم الله به الرسالة، صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصاحبه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا -معشر الأحبة- في تفسير قول الله جل وعلا في سورة طه: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه:86] .
وهذا الخبر مفرح على ما قبله، وهو أن موسى عليه الصلاة والسلام أخبره الله جل وعلا وهو عند جبل الطور بأن قومه قد فتنوا من بعده، وأنهم عبدوا العجل بناءً على أمر أو إشارة أو دلالة من السامري، وحتى يكون المنهج واضحًا فإن بعض الآيات في القرآن يحسن ذكر إجمالها، والإنسان إذا فقه مجمل القضية يستطيع بعد ذلك أن يفك ألفاظ القرآن.
وعلى هذا فقول الله جل وعلا: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه:86] إلى قوله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه:98] إنما هو حدث تاريخي جملته عبادة بني إسرائيل للعجل، وسوف يمر معنا قوله تعالى: {يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي} [طه:94] ، على لسان هارون، وقول السامري: (بصرت بما لم يبصروا به) وغير ذلك، ولذلك إذا كان الإنسان لم يفقه القضية أصلًا والقصة جملة فلن يستطيع أن يفهمها كحروف حتى يستوعب القضية أيًا كانت.
لذلك سأسرد القصة مستغنيًا بها عن قضية فك الآيات آية آية، إنما على إيحاء القرآن من القرآن نفسه نأخذ القصة، ونحاول أن نستعين ببعض المعطيات التاريخية قدر الإمكان، مع التحرز عن أن الغيب لا يدرك بالعقل، فما سكت الله عنه غيبًا لا نستطيع أن نقتحمه نحن بتأويلاتنا العقلية، فهذا أمر يجب التحرز منه.