الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي هذا اللقاء المتجدد من هذا البرنامج المبارك: محاسن التأويل، كنا قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا في اللقاء الماضي: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء:65] .
وهذه الآية جاءت بعد أن ذكر الله جل وعلا قصة إبليس وامتناعه عن السجود، ثم بين الله جل وعلا تلك القصة بقوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء:64] ، وهذا كله وضحناه في موضعه.
ثم قال الله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء:65] ، المقصود بالسلطان هنا أي: ليس لك عليهم سلطان في أن يقترفوا ذنبًا يكون سببًا في خلودهم في النار على أن هذا لا يعلمه كل أحد بعينه، فالذين سبقت لهم من الله الحسنى إنما يعملون لما يسرهم الله جل وعلا أن يعملوا له، ولا يعلم أحد إن كان ممن سبقت له من الله الحسنى أم لا، إلا ما دل الشرع الحنيف عليه في كلام الله، أو على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم.
ثم قال الله: {وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء:65] ، من حيث صناعة المعنى: هذه الآية تحتمل في المخاطب ثلاث جهات: إما أن يكون المخاطب إبليس، وإما أن يكون المخاطب عموم الإنسان، وإما أن يكون المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى الوجه الأول -أن المخاطب بالآية إبليس- يؤيده: أن السياق يتحدث عن المحاورة بين الرب جل وعلا وبين إبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء:65] ، فنحن متفقون على أن المخاطب إبليس.
قال تعالى: {وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء:65] ، وإذا أبقينا الآية في سياقها أصبح المخاطب إبليس، لكن الإشكال القائم في أن الله قال: {وَكَفَى بِرَبِّكَ} [الإسراء:65] ، وهذا يشعر بالقرب وهو ما يتنافى مع خطاب الله مع إبليس.
وهذا الإشكال يدفع بشيء آخر، فالذين أثبتوه دفعوا هذا الإشكال بشيء آخر وهو قولهم: إن المقصود من ذكر الربوبية هنا: بيان أن إبليس وإن خرج بكفره من طاعة الله، إلا أنه لم يخرج عن سلطان الله، أي: بكفره ومعصيته خرج من رحمة الله لكنه لم يخرج عن سلطان الله، فلهذا قالوا: إن لفظ الربوبية هنا ليس المقصود منه: التشريف، ولكن المقصود منه: بيان أن إبليس تحت سلطان الله جل وعلا وقهره.
هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: قول بعضهم: في الآية التفات، ومعنى الالتفات: أن يتحول الخطاب وهو منحى بلاغي.
فقولنا في الأول: إن المخاطب إبليس لا يسمى التفاتًا؛ لأنه كان مخاطبًا من قبل، لكن لما أدخل مخاطب آخر سميت القضية: قضية التفات عند البلاغيين، وقالوا: إن الملتفت إليه هو الإنسان عمومًا، فيصبح المخاطب بقول الله جل وعلا: {وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء:65] ، وكأن الآية نقلت القضية إلى المسئولية الفردية في أن على كل إنسان أن يتعظ ويعتبر ويعلم أن الله جل وعلا وكيل وكفيل على كل شيء.
الوجه الثالث: أن يكون المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يثبته أصل عام، وهو أن الأصل في المخاطب بالقرآن أولًا: نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الذي يبدو ظاهرًا لي من الآية؛ لأن لفظ: وَكَفَى بِرَبِّكَ) [الإسراء:65] ، يشعر بالقرب، والنبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بهذا القرب، هذا من حيث صناعة المعنى.
أما من حيث الصناعة النحوية: فإن الفعل (كفى) يجيء في القرآن وفي العربية على ضربين: متعديًا ولازمًا، فمن تعديه ما ذكره الله جل وعلا مثلًا في سورة الأحزاب: (( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25] ، فكفى: فعل، ولفظ الجلالة: فاعل، والمؤمنين: مفعول به أول، والقتال: مفعول به ثاني، وهذا معنى التعدية: أن الفعل يتجاوز الفاعل إلى مفعول به.
أما عندما نقول في الاصطلاح النحوي: فعل لازم؛ فإنه لا يتعدى الفاعل إلى مفعول به، وإنما يكتفي بفاعله فقط، وهو هنا كقول الله جل وعلا: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء:65] ، فكفى هنا: فعل لازم، ورب: هو فاعلها، لكن الباء التي جرت لفظ رب جيء بها لزيادة التوكيد، وعلماء العربية يقولون: إنها تكثر في فاعل كفى، وبعضهم يقول: إنها لازمة في كل فاعل، وقد وجد في الشعر العربي ما يرد القول بلزومها في كل فاعل.