فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 789

وهنا إشكال، وهو أن المخلوقات قسمان: ساكن ومتحرك، والله نص هنا على أحدهما فقال: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:13] .

وتوجيه هذا الإشكال عند العلماء ينقسم -كما حكاه ابن العربي - إلى ثلاثة أوجه: فقال بعضهم: لما كانت المخلوقات الساكنة أكثر من المتحركة اكتفى الله جل وعلا بذكر الساكن، فيندرج هذا التوجيه تحت ما يسمى بباب التغليب.

فالذين ذهبوا إلى هذا التوجيه أصحاب صناعة تعتمد على التغليب، ولهم قرائن، ومنها أن التغليب موجود في اللغة.

وقال بعضهم: إن الله جل وعلا نص على الساكن لأنه ليس كل ساكن يتحرك، ولكن كل متحرك يسكن، فنص الله على الساكن لأنه سيندرج فيه المتحرك لزامًا، ولهذا جاءت الظرفية في قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الأنعام:13] ، فما كتب الله له أن يتحرك نهارًا سيسكن ليلًا، وما كتب الله له أن يتحرك ليلًا سيسكن نهارًا، فقالوا: إن هذه الظرفية حلت الإشكال؛ لأن كل ساكن لا يلزم منه أن يتحرك، ولكن كل متحرك سيسكن، فإن لم يسكن ليلًا فسيسكن نهارًا، وهذا التوجيه يحتاج إلى إثبات؛ فنحن لا نعلم أن جميع المخلوقات لا بد من أن تسكن.

وقال بعضهم: إن هذا يسمى وفق الصناعة البلاغية اكتفاء، والاكتفاء: أن تقول شيئًا تكتفي به، فلازمه محرر أصلًا لا حاجة إلى التلفظ به، فقالوا: إن الله جل وعلا اكتفى بذكر (ما سكن) اكتفاء بأن كلمة (ومتحرك) ستأتي لا محالة، ومن نظائر هذا في القرآن أن الله قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] ، ولم يذكر الله البرد، والناس يحتاجون إلى التوقي من البرد أكثر من الحر، فقالوا: هذا من الاكتفاء.

فالله ذكر أحد الأمرين واكتفى به ودخول الآخر فيه لازم لا بد منه.

وليس المقصود من الآية هذا الذي أطلقناه من باب اللغة والبلاغة، وإنما المقصود من الآية إثبات أن العالم كله تحت مشيئة الله جل وعلا، لا يقع فيه إلا ما أراد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت