ثم كرر جل وعلا ظرفًا آخر هو إعادته إلى أمه، قال تعالى: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} [طه:40] ، وهذا وقع بعد تحريم المنع، وقد قلنا: إن امتناع موسى من قبول ثدي النساء إنما هو تحريم منع وليس تحريم شرع، قال الله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص:12] .
واستنبط العلماء رحمهم الله من هذه القضية: أن الإنسان ينبغي عليه أن يأخذ بالأسباب، ووجه هذا الاستنباط: أن الله جل وعلا وعد أم موسى أنه سيرد موسى إليها، فقال لها: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7] ، ومع هذا الوعد الإلهي الرباني إلا أن أم موسى قالت لأخته -أي: أخت موسى-: قصيه، أي: تحسسي خبره، فأخذت بالسبب، فتحسست الخبر، قال الله جل وعلا: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ} [طه:40] تخاطب آل فرعون، (على من يكفله) ، وكانوا قد بلغت بهم المشقة مبلغًا من الذي يكفله، وقد امتنع عن النساء، قال الله: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ} [طه:40] ، وأي حزن سيأتيها وقد أضحى وليدها الذي رمته في اليم بين يديها ترضعه وتأخذ على رضاعته أجرًا؟ لأن القضية قضية عناية إلهية لهذا العبد الذي أراد الله أن يكون بعد ذلك كليمًا مصطفى ونبيًا رسولًا، قال الله جل وعلا يذكر أنه من على هذا الكليم الصالح: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [القصص:13] ، وهذا الوعد هو الذي قاله الله في سورة القصص: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7] .
ثم قال: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا} [طه:40] ، وهي قصة قتل موسى للرجل القبطي من أهل مصر، {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} [طه:40] أي: الغم الذي أصابك عندما قتلت تلك النفس، وله صورتان: غم: عند شعورك بالذنب، فقد قال الله عنه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص:16] .
وغم: عندما أخبرت أن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فأخرجك الله ممن كان يريد قتلك إلى أرض مدين؛ ولهذا قال الله جل وعلا: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه:40] ، والأظهر عندي في قول الله: (( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) )أي: وابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء.