قال الله: {فَانطَلَقَا} [الكهف:77] أي: واصلا سيرهما، {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف:77] ، المستطعم.
موسى والخضر، والهمزة والألف والسين والتاء هنا للطلب، والهمزة همزة وصل، {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} [الكهف:77] ، أي: طلبوا منهم طعامًا، وضيافة.
قال الله: {فَأَبَوْا} [الكهف:77] أي: أن الذي أبى وامتنع هم أهل قرية، {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف:77] ، وهذا فيه إشارة إلى أن يوشع غير موجود، وهذا يدل على طباع أهل تلك القرية، وقد فهم منها العلماء فائدة جليلة: أن عبرة الإنسان بمقامه عند ربه، فهم لا يمكن أن يتواطئوا كلهم ويعرفوا له قدرًا، لكن العظيم لا يبالي بعدم معرفة الخلق له، والعبرة التي ينبغي أن تحرص عليها، والمسألة التي ينبغي أن تعض عليها النواجذ: أين مقامك عند ربك جل وعلا؟ أما الخلق فمنهم المنصف ومنهم المبالغ، ومنهم الحاقد ومنهم الجاهل وهم يختلفون في الإنسان، ولا يوجد أحد أجمع الناس عليه، فنبي الأمة ورأس الملة صلى الله عليه وسلم مات ومن أمة العرب من لا يرى النبي أهلًا للنبوة، لكن هذا لا يضيره، ولا يقدح في مقامه عليه الصلاة والسلام عند ربه.
قال بعض من ينظم الشعر: فإن رددت فما في الرد منقصة قد رد موسى قبل والخضر وإن كان السياق الذي جاء فيه النظم غير حميد، لكنني أنا أجتز منه ما هو مقبول، والمقصود أن الله قال: {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف:77] ، وكان هذا من المفترض أن يدفع الخضر في فهم موسى إلى أن يمتنع عن الإحسان إلى أولئك القوم الذين أبو أن يضيفوهما، لكن الخضر بادر على غير طلب منهم إلى جدار يريد أن ينقض، أي: يكاد أن ينقض؛ لأنه ليس منقض، وليس مستويًا، لو كان مستويًا لما احتاج إلى أن يقومه الخضر، ولو كان منقضًا تمامًا لما قال الله: {يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف:77] ، قال الله: {يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف:77] ، أي: أقام الخضر ذلك الجدار، وجعله عائدًا إلى أصله الأول في أنه متمكن لا يهدم، فاستشاط موسى غضبًا وقال معاتبًا الخضر: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف:77] ، أي كان ينبغي عليك أن تطلب منهم أجرًا على صنيعك هذا، مقابلة بالمثل، ولحاجتنا إلى الطعام، وهنا أوقف الخضر المسألة وطبق الشرط الذي بينهما، وقلت في التمهيد: المسلمون على شروطهم، قال: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف:78] ، فلهذا قال الله جل وعلا: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:282] ، وقال في الطلاق في الرجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2] وقال: {وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة:282] .
فالوضوح في المعاملات أمر محمود، ولا يضير الإنسان أن يعطي دينًا أو أن يقترض، فيطلب منه من أقرضه ورقة أو سندًا أو ما أشبه ذلك مما به المواثيق، هذا مما شرعه الله جل وعلا لعباده، والدليل: هذا عبد صالح، ويعرف أن موسى كليم الله، ومع ذلك أجرى تنفيذ الشرط بينهما وقال: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ} [الكهف:78] ، والسين للمستقبل القريب وهو بحسب الأحوال، {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78] ، والزيادة في المبنى زيادة في المعنى؛ ولهذا قال الخضر: {مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78] ، ما زال الأمر في موسى ملتبسًا لا يعرف موسى تأويلًا ولا مصوغًا لأعمال الخضر التي قام بها، فالأمر مازال مدلهمًا في ذهنه فخاطبه الخضر بجنس ما هو فيه، قال: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78] .