نعم يشكل على الحديث ما أخرجه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن عن أبي قلابة قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان «1» .
التنبيه الثالث: قال أبو شامة أيضا: فإن قيل: ما السرّ في نزوله منجما؟ وهلّا أنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل فأجابهم تعالى بقوله: كَذلِكَ أي أنزلناه كذلك مفرّقا- لنثبّت به فؤادك أي لنقوّي به قلبك، فإن
الوحي إذا كان يتجدّد في كل حادثة كان أقوى بالقلب وأشدّ عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجدّد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل. وقيل معنى لنثبت به فؤادك: أي لتحفظه، فإنه عليه الصلاة والسلام كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب، ففرّق عليه ليثبّت به عنده حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع.
وقال ابن فورك: قيل: أنزلت التوراة جملة لأنها على نبي يكتب ويقرأ وهو موسى، وأنزل القرآن مفرّقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبيّ أمّيّ «2» .
وقال غيره: إنما لم ينزل جملة واحدة لأن منه الناسخ والمنسوخ، ولا يأتي ذلك إلّا فيما أنزل مفرّقا. ومنه ما هو جواب لسؤال ومنه ما هو إنكار على قول قيل أو فعل فعل وقد تقدم ذلك في قول ابن عباس: ونزله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم، وفسّر به قوله: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ أخرجه عنه ابن أبي حاتم. فالحاصل أن الآية تضمنت حكمتين لإنزاله مفرقا.
(1) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.
(2) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.