إذعان العرب عاجزين، أو انقيادهم مختارين إلى تلك العظمة القرآنية التي تفوق مقاييس العظمة الأسلوبية المتعارفة آنذاك وكانت ناقة صالح، وعصا موسى وبقية آياته التسع، وإحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام آيات مؤيدات لبيان اللسان وحجة العقل وتحديا صارخا لأهل العناد بأن قوة عظمى تحكم الكون غير قوة المادة «1» .
كما تحدى موسى سحر قومه بعصاه، وعيسى طب عصره بإحياء الموتى وآمن الكثيرون حينما تأملوا وتدبروا وعاينوا المعجزة بالقلوب.
فالإعجاز على أي حال هو- وسيلة إيمان لمن هداه الله ووسيلة إضلال لمن أضله الله.
من هنا كان وجه من وجوه عظمة القرآن هو:
أن يجمع بين البيان والإعجاز فلا تكون الآية الدالة على صدق الرسول منفصلة عن البيان كما كان ذلك في رسالة موسى وعيسى عليهما السلام. إذ كانت آيات موسى التسع، وإحياء المسيح للموتى شيئا منفصلا تماما عن صلب التوراة والإنجيل.
أما القرآن العظيم فلما كان مصدقا للتوراة والإنجيل ومهيمنا عليهما، وجامعا لحقائقهما. فقد اجتمع في صلبه البلاغ المبين والإعجاز القائم مدى الدهر، وما ذاك إلّا لأنه كتاب لم ينزل لهداية العرب خاصة وإنما نزل لهداية البشرية كلها في عصر الرسول وبعد عصره وإلى أن تقوم الساعة. فلو انفصلت آية صدق الرسول عن نفس القرآن كما حدث في الرسالات السابقة فمن ذا الذي كان يأتي الناس بهذه الآية التي هي المعجزة بمعناها الاصطلاحي الآن؟ يعني أنه إذا ارتاب قوم في صدق النبي صلّى الله عليه وسلم، في عصرنا الحاضر فمن أين نأتي بالرسول ليطالبوه بمعجزة مادية تدل على صدقه؟
ولهذا كان القرآن نفسه بيانا ومعجزة في آن واحد ولم تكن مادة إعجازه شيئا واحدا بحيث لا تلائم إلّا عصرا واحدا، أو مجموعة من الأجيال بأعينها
(1) نفس المصدر السابق.